إطلالة

العربية في المشهد العالمي.. فرنسا نموذجًا

العربية في المشهد العالمي.. فرنسا نموذجًا

احتفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) هذا العام باليوم العالمي للغة العربية تحت شعار (اللغة العربية والتواصل الحضاري)، مؤكدة أهمية لغة الضاد في تعزيز الحوار بين الأمم والشعوب ومد جسور التواصل الحضاري بين الشعوب وثقافاتها. وقد بادرت المنظمة إلى إدراج إحدى أيقونات اللغة العربية وهو «الخط العربي» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، لتزين جداريات الخط العربي التي شارك فيها فنانون من المملكة ومن دول عربية أخرى واجهة مبنى (اليونسكو).

هذا الاحتفاء ليس أمرًا غريبًا، فتأثير اللغة العربية التاريخي امتد إلى غير الناطقين بها إلى حد تهجينها بلغات أخرى، حيث ظهر ذلك جليًا في المفردات المشتركة بينها وبين تلك اللغات.

ولم يقتصر تعلم العربية على المسلمين، بل امتد عبر العصور إلى الغرب في أوروبا، حيث أصبحت هذه اللغة مقصد كل مثقف ومتعلم يبحث عن إتقان اللغات. ولا يزال الغنى اللغوي الذي تمتاز به العربية يبهر الدارسين لها بلغات مختلفة. كل هذا وغيره دفع باتجاه الاعتراف بهذه اللغة كإرث حضاري مهم للعالم بأسره، كما دفع الدوائر الثقافية الغربية لاعتماد مناهج تعليمية لهذه اللغة، وترجمة التراث العربي الثري إلى لغات مختلفة.

بالانتقال إلى المشهد الفرنســـي، يُعد تعليم اللغة العربية تقليدًا متجذرًا في تاريخ البلد، انطلاقًا من موقع العربية في قلب التبادلات الثقافية بين القارات والشعوب، حيث تمد جسورًا للتواصل بين إفريقيا وآسيا وأوروبا، وتفتح أبواب التقارب الإنساني والثقافي. ولم يكن حضور العربية في التعليم الفرنسي وليد عصر الدولة الحديثة، بل يمتد وجودها إلى عهد فرانسوا الأول، مع تأسيس مدرسة اللغات الشرقية عام 1795م، التي كانت مهمتها تعليم اللغات الشرقية الحية، لتبقى العربية ضمن اللغات الشرقية التي تُدرَّس حتى يومنا هذا في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (إنالكو)، إلى جانب التركية والفارسية.

ونحن نتحدَّث اليوم عن دور اللغة العربية في التواصل الحضاري، لا بُد من تأكيد هذه الحقائق التاريخية، التي لا يمكن لأحد تجاهل تأثيرها على المشهد الثقافي الغربي بشكل عام و«الفرنكوفوني» بشكل خاص. لكن دور العربية المعاصر في العلوم والتقارب الثقافي والحضاري، يحتاج إلى مزيد من الإبراز من خلال الترجمات أو مشاريع المناهج التربوية لنقل المهارات في ظل العولمة والرقمنة.

وقد أولت مؤسسات مختلفة، على غرار مؤسسة الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود الخيرية، أهمية كبيرة لهذا الأمر من خلال بعض البرامج، التي اعتُمدت بالتعاون مع اليونسكو، والتي تستهدف إبراز اللغة العربية كلغة علوم وتقنيات، إلى جانب كونها لغة فكر وأدب. كما أن لمبادرات ومشاريع الترجمة التي تنطلق من المملكة الأثر البالغ في التعريف بتراثنا اللغوي. ولعلني خير شاهد على هذا التواصل الحضاري، وأنا أشرف على ترجمة بعض أهم كلاسيكيات الأدب الجاهلي، (المعلقات العشر)، رفقة فريق مستعرب مختص في ترجمة الشعر والأدب الكلاسيكيَين، على غرار لارشيه، وفيغرو، ولوفان، وبكوش، وغيرهم.

هذه الجهود تلتقي مع جهود بعض المؤسسات الثقافية في فرنسا للاهتمام باللغة العربية وإثبات أهمية دورها الثقافي والتاريخي في استحداث المعارف وتناقلها، فضلًا عن أنها لغة سلام ترتقي بالحوار وتؤسس للأمن.

 

د. أسماء فرنان، أكاديمة وكاتبة جزائرية
ترحب القافلة الأسبوعية بمشاركة الموظفين في الكتابة لزاوية إضاءة، وذلك لتعميم الفائدة من خلال ما يطرح فيها من أفكار متنوعة تعبّر عن آراء كتّابها.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge