إطلالة

الحراك الفلسفي في المملكة

الحراك الفلسفي في المملكة

«الساحة الثقافية في السعودية في السنوات الأخيرة تشهد حيوية وحراكًا متصاعدًا في المجال الفلسفي».. سمعتُ هذه العبارة من عدد كبير من الأشخاص من داخل المملكة وخارجها، كما أنها تتوافق مع ما ألاحظه شخصيًا. هذا الأمر يمكن رؤيته بوضوح في النقاشات الاجتماعية على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك في كثافة الإقبال على شراء الكتاب الفلسفي في معارض الكتاب، وكذلك في حركة عدد أكبر من دور النشر باتجاه الاهتمام بالمنتج الفلسفي على مختلف أشكاله.

هذا كله يترافق مع مؤشرات لها طابع أكثر تنظيمًا واستمرارية تتمثل في تجمعات فلسفية تأخذ على عاتقها دراسة الفلسفة وإنتاج نصوص فلسفية تعكس منطلقات أصحابها. أتحدث هنا عن «حلقة الرياض الفلسفية»، التي انطلقت سنة ٢٠٠٨م ولا تزال، وكذلك «إيوان الفلسفة» في جدة، و«الحلقة المعرفية» في الدمام، و«ملتقى السلام الفلسفي» في نجران، ومؤخرًا، «جمعية الفلسفة»، التي انطلقت أواخر العام الماضي.

هذه الأنشطة بدأت تتحرك باتجاه الإنتاج العلمي في الفلسفة من خلال محاضرات وورش عمل وحلقات دراسية وأبحاث وكتب هدفها الانتقال إلى مساحة القول الفلسفي الإبداعي، مما يجعل التجربة الفلسفية تتجذر أكثر باتجاه القضايا التي يتناولها أصحابها. هذا الحراك المحلي وجد له استجابة أكبر تمثلت في مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة، الذي أعلنت عنه هيئة الأدب والنشر والترجمة، مؤخرًا. هذا المؤتمر، الذي سيعقد من ٨ إلى ١٠ ديسمبر ٢٠٢١م، يستهدف إقامة حوار بين المشتغلين بالفلسفة من مختلف دول العالم، وهو فرصة للقاء مباشر هذه المرة بين المشتغلين بالفلسفة في المملكة ونظرائهم من دول العالم المختلفة. ومن المعروف أن المؤتمرات أنشطة معرفية واجتماعية ينتج عنها في كثير من الأحوال أعمال مشتركة كثمرة للصداقات والحوارات التي تولد في أروقة المؤتمرات.

ولعل ما يميّز التجربة الفلسفية السعودية أنها تجربة اجتماعية. أعني هنا أنها كانت دائمًا في قلب الحراك الاجتماعي وتتحرك باتجاه تشكيلات اجتماعية باستمرار. هذا برأيي مهم جدًا لأنَّ تشكّل «المجتمع المعرفي» أساس في تطور أي مجال معرفي. لذا فإن «المجتمع الفلسفي السعودي» مهم جدًا لإقامة حوار متبادل وقراءة مستمرة لما يُقدم من أطروحات. صحيح أننا لا زلنا نعاني من غياب الأقسام الفلسفية في الجامعات المحلية، إلا أن ذلك هو ما تحاول النشاطات الفلسفية تعويضه حسب ما هو متوفر لها من إمكانات.

الشغف الكبير بالفلسفة خصوصًا عند الشباب هو رأس المال الحقيقي للخبرة الفلسفية في السعودية، والجميل أن هذا الشغف تولّدت عنه تشكيلات اجتماعية مؤسساتية تحاول أن تدفع بتلك الطاقات في طرق إنتاج معرفي حقيقي يستطيع أن يؤسس لخبرة حقيقية تستمر مع الوقت.

من جانب آخر، فإن الجهات الرسمية المعنيّة بالمعرفة والثقافة في السعودية فاعل مهم في هذا الحراك؛ فقد أطلقت وزارة التعليم، مؤخرًا، مقرر «التفكير الناقد»، ووزارة الثقافة ممثلة في هيئة الأدب والنشر والترجمة تعبّر من جهتها عن روح الشغف الاجتماعية بالفلسفة وتتفاعل معها بغرض تحويلها إلى مكتسب اجتماعي ووطني ليصبح رافدًا جديدًا ومختلفًا للتنمية العامة التي تسعى رؤية ٢٠٣٠ إلى تحقيقها.

ربما أن مهمة المشتغلين بالفلسفة في هذا الفضاء المفتوح هو دفعها إلى أن تكون أكثر صدقًا وحقيقية وتعبيرًا عن القلق المعرفي الأساس. هذا الأمر يتطلب حالة عالية من الانفتاح على الأفكار والأسماء الجديدة ومبادراتها بالتشجيع والترحاب، وهو ما سيثمر لاحقًا عن نقد وحوار حقيقي ومبشّر.

 

د. عبدالله المطيري، أستاذ فلسفة التربية في جامعة الملك سعود.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge