إطلالة

معتزلات الكتابة

معتزلات الكتابة

خلوة الأديب إلى حبره وأوراقه، واعتزاله الصوارف وما يكّدر صفو التجلّي لديه، ويذهب ببهجة لحظة الخلق الكتابي الفاتنة، حلمٌ له ملامح فردوس بعيد طالماتاقت إليه أرواح أدباء تتشظى بين شغف الأدب ولهاث الحياة ومتاعب الركض في مناكب أوقاتها.

وللعزلة التحامها الوثيق بالإبداع؛ إن كان على مستوى التجربة الشعورية للمبدع، أو كان في تفاصيل واقعه اليومي، وهي وإن كانت ضربةَ لازبٍ حين يتعلقالأمر بالتجربة النفسية، إلا أن تحققها الفعلي في واقع الحياة يظل احتمالًا تتقاذفه موجات الصخب اليومي، وازدحام التفاصيل التي تبدد سكينة الوقت، ولاتترك للأديب سبيلًا إلى عزلته المتوخاة، وجنته المنتظرة.

ولأجل ذلك يمكن القول إن فكرة معتزلات الكتابة نشأت في الأصل لتجسّر المسافة بين أفياء ذلك الفردوس البعيد، وإيقاع الحياة اليومية عند الأدباء، ولو علىنحو مؤقت، وخلال زمن مستقطع يشبه قصيدة باذخة خارجة من لغو الحياة وثرثرة أوقاتها.

من هنا جسّدت فكرة توطين معتزلات الكتابة محليًّا اقتناصة ذكية من هيئة الأدب والنشر والترجمة، في إطار الرؤية الجديدة لوزارة الثقافة، والتطوير الذيتشهده برامجها وفعالياتها.

ورغم حداثة التجربة، فقد اشتملت نسخها الأولى على عناصر نجاحها باقتدار، واكتملت لها أسباب الجذب والاختلاف؛ بين انتخاب الأسماء المستهدفة وفقالاهتمامات الكتابية، والتجانس العمري، دون اقتصار على التجارب المحلية فحسب؛ إذ يُسهم حضور الآخر العربي في خلق أفق رحب لتحاور التجاربوإفادتها من بعضها، إلى جانب البراعة في اختيار الفضاءات المكانية التي تحتضن تلك المعتزلات، ضمن الوجهات السياحية الجاذبة في البلاد، وهو ما يحرزهدفًا مزدوجًا يجمع إنجاح فكرة المعتزلات، والترويج للسياحة المحلية في وجهاتها المقصودة.

ومعتزل الكتابة الأخير الذي نظمته هيئة الأدب في أبها مدة سبعة أيام وسعدتُ بالمشاركة فيه، أنموذجٌ يعكس نضج هذه التجربة ويفصح عن عزم جادٍّ لدىالمؤسسة الثقافية الرسمية على تبني مبادرات ثقافة جديدة ولافتة.

وقد خصص المعتزل لكُتّاب القصة القصيرة، وضمَّ سبعة أسماء توزعت بين المغرب ومصر والكويت والمملكة، وتميّز بجهد تنظيميٍّ لافت، وخدمات تحققفعلًا مفهوم المعتزل الأدبي، وتمنح الكتابة فرصة رائعة للتجدد وكسر الروتين واستئناف الشغف.

وخطط هيئة الأدب القادمة واعدة بالمزيد من المعتزلات للمبدعين في سائر حقول الأدب، ومن المؤكد أن كل تجربة تجسّد شوطًا في تطوير الفكرة والوصولبها إلى غاياتها وآفاقها الممتدة باتساع خرائط المداد ومدائن الورق.

ولعلَّ من أجود ما تحققه فكرة معتزلات الأدب على هذا النحو أنها تمثّل شكلًا من أشكال التصالح بين المثقف والمؤسسة الثقافية؛ حين توظف المؤسسة طاقاتهافي سبيل تقريب أمنيةٍ ما للمثقف، ورسمها واقعًا مجللًا بالحبر مسقوفًا بالغيم والمطر، ويعثر المثقف في أعمال مؤسسته على برامج فتيّة ذات دهشة وابتكار،لا تشبه المألوف من جهامة العمل الثقافي القديم وبرامجه المعلبة!

 

محمد الراشدي: كاتب وناقد سعودي.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge