إطلالة

فن التخلص وزبدة الحياة

فن التخلص وزبدة الحياة

يُروى عن الشاعر العباسي أبي نواس أنه كان يكتب القصيدة ويتركها ليلة واحدة، ثم يحذف أبياتًا كثيرة منها، ويُبقي الجيد حسب ما يرى. هذا التنقيح الذي امتاز به الشاعر خاضع لذائقته الأدبية المغايرة، ومزاج اللحظة الحالية التي يمر بها، والرغبة المُلحَّة في إظهار النصوص بجودة عالية.

أراد أبو نواس أن يجعل قصائده أكثر رشاقة وتماسكًا؛ عبر التخلص من الزوائد والهوامش والمكرورات بحثًا عن لحظة الفرادة الإبداعية، وكأنما سياسة التخلي التي يتبعها بكل ثقة هي أسلوب تكوين جديد عندما ينسلُّ نص آخر من النص المبدئي.

ماذا لو طبقنا هذه الفكرة في حياتنا؟ هل نقبل بمراجعة ذواتنا والتخلي عن أفكارنا وأشيائنا بسهولة؟ من يتأمل في لغتنا العربية سيجد أن نظامها قائم آليًّا على الحذف في مواضع كثيرة جدًّا في النحو و البلاغة، حتى الصوتيات والرسم الإملائي. وكم نحس بحيوية اللغة وجمالها في ظاهرة (الترخيم) مثلًا، كأن نحذف الحرف الأخير من المنادى مثل قولنا (يا سعا) والأصل (يا سعاد) أو (يا فاطم) والأصل (فاطمة).

ومن جانب آخر، اشتهرت في الجاهلية القصائد الحولية التي يتريث الشاعر في نظمها حولًا كاملًا ، فيقوم باستبدال لفظ مكان آخر وإعادة صياغة جملة هنا أو عبارة هناك حتى تظهر القصيدة بشكل لائق يرضى عنه وينال به إعجاب الناس ويفوز بثنائهم.

واستمرت ثقافة الحذف إلى اللحظة المعاصرة، فنجد الشاعر الحديث مشغوفًا بتقنية إسقاط الكلام باعتبارها إحدى الجماليات الكتابية، كوضع علامة الحذف ( ...) ليتأمل القارى ويكتشف الجزء المخبوء، كقول الشاعر الراحل محمد الثبيتي: «إني رأيتُ.. ألم تر؟ عيناي خانهما الكرى»، فما على المتلقي هنا إلا أن يشارك في بناء النص باحتمالات الرؤية، وفق ما يقتضيه السياق وربما الحالة النفسية أيضًا.

في تويتر مثلًا يُشترط ألا تتجاوز التغريدة ٢٨٠ حرفًا، بما في ذلك الحركات وعلامات الترقيم، مما يضطر المغرد لإعادة الصياغة من جديد أو لحذف كلمات في بعض الأحيان. وما يحسب لهذه المنصة الإلكترونية ذات الانتشار الواسع عالميًّا أنها شجعت الكثيرين على الكتابة، وأسهمت في إنتاج الكلام بجرعة مكثفة ومركزة.

أما في حياتنا العامة فإن للإلغاء دوره في بث الطاقة الإيجابية والتخلص من نقيضها، وللكاتبة ناغيسا تاتسومي كتاب بعنوان (فن التخلص من الأشياء) تدعو فيه لمحاربة الفوضى والعشوائية، وتؤكد فيه على ضرورة إعادة علاقتنا بالأشياء المادية، وتنصح بإبقاء الأمكنة متنفسات جمالية، وتربط بين امتلاء سلات المهملات والبهجة الغامرة؛ فهي تؤمن بالتخفف والعيش مع الأقل.

ليس غريبًا أن نجد جملة (زبدة القول) تجري على ألسنتنا في نهايات أحاديثنا، بما تتضمنه من الاختصار والاختزال والتركيز على الأهم، وربما كان الصمت هو الخيار الأمثل في بعض الأوقات، كما يقول الجواهري: «فالصمتُ أفضلُ ما يُطوى عليه فمُ».

 

ياسر آل غريب، شاعر وكاتب سعودي.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge