إضاءة

البرميل..ذلك المظلوم!

 البرميل..ذلك المظلوم!

طرحُ السؤال هو مفتاح المعرفة الأول. ولذلك فإن عمق وثراء السؤال هو الحاضنة لأي قيمة معلوماتية جديدة، وهذا أمر متفق عليه، ولكن السؤال الحقيقي هو ألا يستحق كل زمن أن تثار حوله أسئلة معاصرة تواكب مجرياته وتحدياته؟

من الموضوعية والمنطق أن تتبنى المجتمعات صياغة المعلومات بشكل منصف وموضوعي، وأن تطرح أسئلة تتماشى مع روح العصر وتلم بأبعاده وقضاياه، وهو ما لا يتبادر إلى الأذهان للوهلة الأولى.

على سبيل المثال، أليس النفط ومشتقاته معزولًا ثقافيًّا، ومهمشًا معرفيًّا، إن صح التعبير، إذ لا يدرك الكثيرون تمام الإدراك ما يمثله من قيمة وما يعكسه من أثر على حياة الأفراد والمجتمعات والأمم.

حقيقة جربت أن أسأل عددًا من الناس القريبين مني، وكذلك آخرين في نطاق أبعد عن سر الحياة فأجابوا بالإجابة المعهودة التي تقفز إلى الذهن المحمل بما ملأه العرف.

سر الحياة هو الماء، كما جاءت إجاباتهم بدون استثناء، ولكن هل يمكن الإجابة على هذا السؤال بهذا النحو إن عرفنا أن اعتماد العالم الكلي اليوم على المياه الصالحة للشرب يقوم على المياه المحلاة؟ وأن عملياتها التقنية لا تقوم إلا على سلسلة من الأعمال الصناعية لمعالجة المياه المستخدمة للشرب وهذه المعامل لا تتحرك شبكاتها إلا على عنصر من النفط ومشتقاته!

هل تنار البيوت والمتاجر والمدن بلا نفط؟ وهل تحصد الحقول دون مُستخلص من مشتقاته؟ هل تقام منصات لعرض الازياء ويرتدي الإنسان ما يجعله جميلًا أو على أدنى حال يستره دون معامل تحيك النسيج والخيوط وأكثر من ذلك على كل صعيد؟

السر في العادة هو ما يغيب عن الأذهان ولا يذكر، السر لا يكمن في الفكرة المطروحة أو الكلمة الرائجة على الألسن. السر دومًا يكمن في الأعماق وهكذا هو حال رمزية برميل النفط مع الأمم منذ بدايات القرن التاسع عشر، وإن سُجلت استخدامات محدودة وبدائية للمشتقات النفطية تعود لعصور قبل الميلاد كالعصر البابلي وفي بلاد الصينيين القدامى.

لقد جُبلت الحياة على التقدم والتطور، فالحياة تمضي مسرعة إلى الأمام، ومعايير التقدم فيها متجددة بحجم مقاييس نهضتها وتطورها. لذا، يبقى هذا البرميل المليء بالأسرار وقودًا أساسًا لكل خطوة تخطوها الأمم نحو الأمام في كل صغيرة لا متناهية، وكبيرة لا تستوعبها الأبصار لعظمها.

ولعل برنامج التراث الصناعي الذي تقوم عليه وزارة الثقافة السعودية تماشيًا مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ يُعد ترسيخًا جديدًا لرؤية ثاقبة تؤسس لمرحلة يمكنها أن ترى في البرميل أكثر من كونه مجرد برميل.

السؤال الذي يستحق أن يكون ملحًّا، وربما يتوجب أن يكون كذلك هو: متى يُنصف البرميل ويُستنقذ من خفاء العزلة وركام الضجيج، لكي يدرك الجميع ما يلعبه من أدوار كبيرة وما له من أهمية بالغة في نمائنا واستقرارنا والدفع بحياتنا إلى مشارف المستقبل الذي لن يكون مضيئًا بدونه؟

 

رحب القافلة الأسبوعية بمشاركة الموظفين في الكتابة لزاوية إضاءة، وذلك لتعميم الفائدة من خلال ما يطرح فيها من أفكار متنوعة تعبّر عن آراء كتّابها. cw@exchange.aramco.com.sa

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge