إضاءة

عالم المرايا الخفي !!

عالم المرايا الخفي !!

قبل أكثر من أربعة آلاف سنة قبل الميلاد ألقى الإنسان أول نظرة على المرآة؛ التي يُرجَّح أنها اختُرعت في بلاد ما بين النهرين ومصر باستخدام بدائي للنحاس المصقول، ومنذُ اختراع المرآة الحديث الذي قدمه العالم الكيميائي الألماني ليبيج عام ١٨٣٥م، وإلى يومنا هذا، ما يزال الإنسان متأرجحًا بين أشكال المرايا وأنواعها وحتى فلسفته الذاتية عندما يقف أمامها. فلا يكاد يمر يوم دون الوقوف أمامها، بقصد أو بدونه، متأملين، فاحصين ملامحنا فيها، أو باحثين عن جزءٍ من صورنا ساعين من خلالها إلى الوصول إلى ما نظنه تمامنا، بينما آخرون منّا ينظرون إليها على مضض، ثم ينطلقون منها لمواجهة الناس والعالم.

ومهما حاولتَ، لا يمكنك حصر أسباب استخدامات المرايا النفسية والفسيولوجية، الأمر في استحالته يشبه تعداد ملامح البشر أجمع أو احتساب عدد لأفكارهم، كما أزعم أن هذه المهمة أكثر تعقيدًا من إحصاء أعداد النمل في العالم؛ إذ يختلف دافع استعمال المرآة لدى الأشخاص وفق عدد من العوامل المؤثرة، ما يعقد فهم طبيعة العلاقة بين الإنسان ومرآته!

ولا أخفيك أني لا أصدق المرايا، لأنها خادعة، تُقنعك أنها تظهرك على ما أنت عليه في الواقع؛ لكنها لا تفعل، كثير من المرايا تظهرك أجمل مما أنت عليه أو أقبح مما تبدو، تقنعك أنها تعكس لك صورتك بملامحك وأدق تفاصيلك كما يراها الناس لكنها في النهاية لا تظهر إلا صورًا أنت تريد رؤيتها، وهمًا أو خيالًا يتحكّم بمجريات أيام حياتك، تمامًا كما تحكي الأسطورة الإغريقية عن نارسيس الشاب الذي وقع في حب انعكاس صورته على المياه؛ فلم يستطع مفارقة البحيرة حتى تحول إلى زهرة النرجس.

ولستُ أدعو إلى استعداء المرايا، بل أسعى إلى أن نستعمل أنواعًا متنوعة من المرايا لرؤية حالنا، فمن الجميل أن نرى انعكاسًا لفضائلنا وصفاتنا المعنوية وأفعالنا التي تصنع أثرًا في العالم، كرؤيتنا لأنفسنا في ابتسامةٍ رسمناها على ثغر طفل، أو دعابة غير متوقعة لنادل منهمك في عمله؛ تُنير وجهه وتجدد طاقته لمن حوله، أو حتى التطوع خدمةً للمجتمع. نعم، هناك مرايا خفية نستطيع عبرها رؤية حقيقتنا الروحية؛ إذ تعكس ملامح نوايانا وما نحن عليه.

لماذا لا نقف أمام ذواتنا وننظم المبادئ والقيم التي تكوِّن شخصياتنا، كما نقف أمام المرآة فنحسن من ظاهرنا؟ لماذا لا تزرع مرآة أنفسنا التفاؤل في حقول المحبطين مثلًا؟ لتنعكس قيمنا في أعين الغير، فتُظهر نتاج أمنياتنا الجميلة وتحولها أفعالًا تُزهر في كل ما هو موجود.

عالم المرايا الذي أعنيه تستطيع أن ترى فيه أعماق ذاتك وكينونة مَن حولك عبر مرآة خالدة لا تفنى، فهي ليست مصنوعة من ألواح زجاج نحاسية يخدشها أو ربما يكسرها أصغر حجر!

 

ترحب القافلة الأسبوعية بمشاركة الموظفين في الكتابة لزاوية إضاءة، وذلك لتعميم الفائدة من خلال ما يطرح فيها من أفكار متنوعة تعبّر عن آراء كتّابها.

 

 
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge