إضاءة

نهرٌ بين ضفَّتَيْ الوقت

نهرٌ بين ضفَّتَيْ الوقت

ربما يسمح لي الاختلاف البديع بين أفراد نوع الإنسان، هذا الكائن المتنوع حدَّ التقلُّب بين النقائض والأضداد، بالقول إن لجميع أوقات اليوم والليلة عشاقها المترقبون لها والمتهافتون عليها؛ كلٌ بحسب هواه وذائقته الخاصة، أو وفق ما تفرضه عليه الحياة من أحوال تجعله ميَّالًا أو متحيِّزًا إلى هذا الوقت دون ذاك؛ هذا برغم حقيقة أن جميع الأوقات إنما هي كأسنان المشط في عين الدهر الذي يفعل بالباقين كفعله بالسابقين.

لكن لعل أحكام هذا الزمان جارت، في من جارت عليه، على الفجر أكثر من غيره من سائر الأوقات، فأخرته عن مرتبته التي كان أولى بها، وأنزلته في غير منزلته التي يستحقها في سلم التقدير البشري؛ فإذا به يُصبح دونما استحقاقٍ الأقلَّ حظوةً بين إخوته من أبناء الوقت، وكأن هذا الزمان يُجري عادته في التنائي عن العدل حتى على أبنائه!

غير أن هالة من التميُّز الفريد ستبقى مُحيطةً بالفجر وإن جار الزمان، كيف لا وهو بشارة اليوم الجديد النازلة على قلب الأرض في جلباب النور؛ يأتي فيتدفق نهر الأمل في القلوب كما تتدفق خيوط الشمس على وجه الأرض، وتتألق البدايات الجديدة كما تتألق العروس في ثوب الزفاف!

وإذا كان اليوم بمثابة عمر الإنسان، فإن منزلة الفجر منه منزلة الطفولة الأولى؛ قصيرةٌ لكنها تنضح بالطُهر والبراءة، وضعيفةٌ لكنها لا تعرف اليأس، في بكائها صدق يستدرُّ الدمع من الصخر، وفي ابتسامتها عذوبةٌ تبعث الحياة حتى في القلوب الهالكة.

والفجر بَشير العمل ونذير الكسل؛ نداءٌ من بئر الظلام يوقظ بأطراف أنامله العصافير والنحل، ويهتف بها أن اتركي دِعة الأعشاش والبيوت، وحلِّقي في السماء، واسلكي سبل ربك ذُلُلًا نحو الثمار والأنهار والأزهار. وهو رفيق الفلاح إلى الحقل، يغنّي له أغنية الحياة، ليبذر الأرض ويحصد الحب ويسقي بالماء أشجاره العطشى إلى استمرار الوجود! والفجر هو خِدن الطبيعة، تُبدي له مفاتنها المزيَّنة بسحر الألوان المُغرية، وتخلع له عنها ملابس الموت الحالكة!

وإذا شئتُ أن أتأمل في فلسفة الوقت، قلتُ إن الفجر يمثِّل حالة انتقال تُولد من رحم المعاناة؛ انتقال من الخمول إلى النشاط، ومن السكون إلى الحركة، من الغفلة إلى الإدراك، ومن الظلمات إلى النور. وهو برزخ يصل بين طرفي النقيض، الليل والنهار، أو بعث جديد من الموت إلى الحياة.

وربما كان أيضًا حالة كشف تفضح زيف الأشياء، أو حالة تجلٍّ تشفُّ عن جمال الوجود. إنه خيطٌ رفيع يفصل بين الباطل والحق، أو ربما منطقة رمادية تُنصف التفاوت وتنتصر لنسبية الحقيقة!

وإذا كنتُ أقول إن الفجر مظلومٌ سائر أيام السنة، فإنه لا شك منتصر في يوم العيد، فالفجر بداية العيد ولا عيد بلا فجر؛ تنتظرهما العيون المرهقة بالوسن، لتنفض عنها غبار الأحزان وتهبّ للفرح.

ومع فجر العيد، يتلقَّف الصغار والكبار خيوط الشمس الأولى ليلبسوا أثواب العيد، ويولِّي جدب الشعور هاربًا من سيل التحايا والقُبل، وتُقبل الأبدان والأرواح على محاريب الصلاة لتسأل الله بداية جديدة تكون أنصع من الفجر!

 

ميثم الموسوي، هيئة التحرير
ترحب القافلة الأسبوعية بمشاركة الموظفين في الكتابة لزاوية إضاءة، وذلك لتعميم الفائدة من خلال ما يطرح فيها من أفكار متنوعة تعبّر عن آراء كتّابها.

Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge