رحلة المواد الهيدروكربونية في أرامكو السعودية.. (10)

التكرير: الحد من انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري ركن أصيل في إدارة أعمالنا

التكرير: الحد من انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري ركن أصيل في إدارة أعمالنا

هذه القصة، التي تُنشر في عدة أجزاء، تسلِّط الضوء على ما وراء الستار في رحلة المواد الهيدروكربونية في أرامكو السعودية، بدءًا من المكامن وحتى نهاية الرحلة.

 

يبرز التنوع الكبير لاستخدامات النفط عقب دخوله ضمن عمليات المعالجة المعقدة في مرحلة التكرير؛ فمن دون التكرير، تبقى قيمة النفط مقتصرة على نطاق محدود نسبيًا في حياة البشر المعاصرة، حيث يحول التكرير النفط إلى آلاف المنتجات المفيدة، بدءًا من وقود المحركات، وانتهاءً بمجموعة متنوعة من الأدوات والمواد المنزلية.

تحويل الهيدروكربونات إلى منتجات

بعد خروج المواد الهيدروكربونية التي تنتجها أرامكو السعودية من حقول النفط، يُفصَل الغاز بينما يمر النفط بمرحلة التركيز قبل إرساله إلى المصافي المحلية ومصافي المشاريع المشتركة ليخضع للمعالجة، كما يُرسَل كذلك إلى الفُرض للتصدير.

ولكلِّ مصفاة قدرات تشغيل مختلفة، ويعتمد نطاق التنوُّع في منتجات المصفاة على مدى تعقيدها التقني. لكن ما إن يقف الشخص داخل أي من هذه المصافي على اختلاف تعقيدها، حتى يجدها بمثابة مختبر علوم ضخم للتصنيع، حيث تُفصل المواد الهيدروكربونية على اختلاف خصائصها الفيزيائية والكيميائية بعضها عن بعض، وذلك وفقًا لأطوال سلاسلها الجزيئية وأنواعها.

لتحقيق ذلك، تستخدم مصافي النفط أساليب متنوعة، من قبيل الجاذبية الطبيعية والتسخين والتبريد والضغط والوسائط الكيميائية، بهدف تكسير سلاسل المواد الهيدروكربونية المعقدة إلى جزيئات أبسط وأخف، تُستخدم في إنتاج منتجات ممتازة وعالية الجودة. وفي بعض الأحيان، يتم إعادة توصيل بعض الجزيئات ببعضها الآخر مرةً أخرى بعد انتهاء عملية التكسير لتحقيق الغرض نفسه.

تفكيرٌ بيئي رائد

ويدخل مجمع مصفاة جازان للتحويل الكامل، الذي شيدته أرامكو السعودية مؤخرًا في الجنوب الغربي من المملكة على ساحل البحر الأحمر، المرحلة النهائية من التشغيل التجريبي، حيث تجري فيه أعمال التكرير حاليًا بنصف طاقته الإنتاجية، التي تبلغ 400 ألف برميل يوميًا.

ويسعى المجمع إلى تعزيز الاستثمار الأمثل لقيمة المواد الهيدروكربونية عن طريق إنتاج منتجات ثانوية متعددة داخل مرافقه، التي تمتد على مساحة 17 كيلومترًا مربعًا.

ويتطلَّب تكرير النفط وجود الحرارة والماء كعاملين رئيسين لإنجاز الأعمال. وتعمل وحدة تقطير النفط الخام في مصفاة جازان على تهيئة النفط الخام العربي المركز، المنتَج من حقول النفط الشمالية في المملكة بنوعيه الثقيل والمتوسط، ليخضع للتكرير على عدة مراحل، وذلك بتجزئته إلى منتجات متعددة باستخدام الحرارة، تشمل غاز البترول المسال والنفتا والكيروسين والديزل، إلى جانب منتجات التقطير الفراغي من زيت الغاز والرجيع.

وبعد إزالة الكبريت من النفتا، تعمل وحدة التهذيب المستمر باستخدام الوسيط الكيميائي على زيادة درجة الأوكتان فيه ليُستخدم كوقود نظيف ممتاز، أو كمزيج ممتاز من البنزين والبارا-زايلين. كما يُزال الكبريت من منتجات الكيروسين والديزل لإنتاج وقود أنظف.

بعد ذلك، تُكسَّر السلاسل الجزيئية للمكونات البترولية الأثقل في وحدة التكسير الهيدروجيني للحصول على منتجات أفضل وأعلى قيمة، ومن شأن هذا تحقيق أقصى استفادة من كل جزيء في المواد الهيدروكربونية.

التكرير.. وإنتاج الغاز والطاقة

من جانب آخر، يعني التخطيط الذكي أن تصميم مصفاة جازان بعيدٌ للغاية عن البساطة التقنية، فهي أيضًا تتضمن معملًا للغاز وتوليد الطاقة، كما أنها تنتج البتروكيميائيات.

وعبر الجانب الجنوبي من المجمع، يمتد سياج خارجي أخضر من الأسلاك ليفصل بين المصفاة ومحطة توليد الطاقة القائمة على تقنيتي التغويز والدورة المركبة للوقود، التي تُعد من بين الأكبر من نوعها على مستوى العالم، وتتضمن وحدة ضخمة لتوليد الطاقة الكهربائية، ووحدة لفصل الهواء، بالإضافة إلى مرافق المنافع المرتبطة بها، حيث توظَّف ضمنها تقنيات من أعلى طراز لإنجاز أعمالها.

ويُنقل الرجيع النفطي الناتج عن عملية التقطير الفراغي، وهو منتجات النفط المتبقية في قاع عمود التقطير، عبر أنابيب تمر تحت السياج إلى محطة توليد الطاقة، حيث تُستخدم الحرارة لإطلاق مزيد من الغازات من المواد الهيدروكربونية الغنية.

وفي محطة توليد الطاقة، يتم تحويل الرجيع إلى غاز صناعي خام عن طريق التكسير الحراري الكامل، ليُسفر ذلك عن غاز قابل للاشتعال في وجود الأكسجين والبخار، في عملية تُدعى بالتغويز. ويوفر هذا الغاز الخام، بعد معالجته في محطة توليد الطاقة، وقودًا صناعيًا نظيفًا يُمدُّ المحطة المكونة من خمس وحدات تبلغ طاقتها الإجمالية 3.8 غيغاواط، حيث تنتج الكهرباء لكل من المصفاة وشبكة الكهرباء الوطنية.

ومن السمات المميِّزة لمصفاة جازان متعددة الإنتاج وجود عشرة توربينات غازية وخمسة توربينات بخارية في محطة توليد الطاقة، تُستخدم في إنتاج البخار اللازم لأعمال المصفاة.

طريقٌ مختصر لجني الثمار

بالإضافة إلى منتجات التكرير التقليدية، مثل غاز الوقود والبنزين والديزل، سيجد العملاء كثيرًا من المنتجات الأخرى في مجمع مصفاة جازان المتكامل، ومنها وقود الحرق النظيف الذي يتوافق مع مواصفات (يورو 5)، ومركبات الفناديوم والنيكل المستخلصة من الرماد الجاف، وكذلك الكبريت والمنتجات البتروكيميائية مثل البنزين والبارا-زايلين.

وتُعد جازان أول مصفاة في المملكة مملوكة بالكامل للشركة تنتج البتروكيميائيات من النفتا، بتجزيئها لمادتي البنزين والبارازيلين لتخضع لمزيد من المعالجة خارج المصفاة. ويقلل تصنيع البتروكيميائيات داخل المملكة بنحو مباشر الكميات المستوردة من المواد الخام.

ماء البحر.. شريان حياة

تُعد المياه عنصرًا ضروريًا لمعالجة النفط وتوليد الطاقة الكهربائية؛ وفي المملكة حيث لا توجد أنهار دائمة كما يندر تساقط الأمطار، تشكل تحلية المياه شريان حياة بالنسبة للمنطقة.

وتقع مصفاة جازان إلى جوار البحر الأحمر، الذي تتدفق نسماته الباردة ومياهه الزرقاء إلى داخل المجمع وتخرج منه عبر قنوات شبيهة بالأنهار أُنشئت خصيصًا لهذه الغاية. وداخل مواسير مصنعة من المواد اللامعدنية، تتدفق المياه إلى معمل التحلية في محطة توليد الطاقة المتكاملة، الذي يعمل بتقنية التناضح العكسي بطاقة إجمالية تبلغ 43200 متر مكعب في اليوم، حيث يغذيه مزيجٌ من مياه البحر ومياه الصرف المعالجة.

وتجسيدًا لالتزام مصفاة جازان بسياسة تجنُّب الهدر، يُستفاد من المياه منزوعة الأملاح في مجالات شتى، فهي تُستخدم كمورد يغذِّي المراجل لإنتاج البخار للتكرير وغيره من العمليات، كما تُستخدم لأغراض الإطفاء، وللتبريد في محطة توليد الطاقة، إضافةً إلى استخدامات أخرى.

من بين العاملين في مصفاة جازان المشغل، عبدالمحسن دوشي، الذي التحق بالعمل هناك عام 2017م، وذلك بعد اكتساب الخبرة في مصفاة ينبع وإتمام برنامج تدريب امتد 18 شهرًا في أحد مراكز التدريب الصناعي في أرامكو السعودية. يقول دوشي: «بوصفي غواصًا، فإن علاقتي بالبحر عميقة؛ وأنا فخور بالعمل في هذه المنشأة».

ويُضيف دوشي، الذي يقيم في الساحل الغربي: «الإنتاج النظيف للمواد الهيدروكربونية له أهمية كبيرة بالنسبة للأعمال، وكذلك بالنسبة للمجتمع المحلي وكوكب الأرض».

وتتكفل شبكة من الحواجز والمرشحات الأمامية بمنع الكائنات الحية البحرية من الدخول إلى المجمع عبر قنوات المياه، فيما يضمن نظام التبريد في معمل التحلية عودة المياه إلى البحر الأحمر بدرجة حرارة ملائمة.

وإلى جانب ما يقوم به المعمل من خفض درجة الحرارة إلى المستوى الآمن، تُرسَل المياه عبر أنبوب يمتد تحت البحر بطول 2.4 كيلومتر إلى حوض اصطناعي مغمور في المياه الأكثر برودة وعمقًا، لتمتزج في نهاية المطاف مع مياه البحر المحيطة.

الابتكار لتجنُّب حرق الغاز

يُسفر التفكير الخلاق لفريق العمل في معمل تجزئة سوائل الغاز الطبيعي في ينبع عن خفض الانبعاثات وتوفير الطاقة، إلى جانب تحقيق فوائد أخرى أيضًا.

وتُرسَل سوائل الغاز الطبيعي التي تنتجها معامل الغاز إلى معامل التجزئة، حيث يُفصل عنها الإيثان ويُجزَّأ ما يتبقى منها إلى إيثان وبروبان وبيوتان وبنزين طبيعي.

وفي ينبع، تتدفق سوائل الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب طوله 1170 كيلومترًا من معمل الغاز في شدقم.

وبعد استخلاصها من سوائل الغاز الطبيعي، تُخزَّن كميات الإيثان الزائدة في ينبع في حالتها السائلة داخل خزان مخصص لذلك لتُستخدم في وقت لاحق. ولأسباب تتعلق بالسلامة، تتطلَّب أعمال التشغيل اللجوء إلى أسلوب الحرق عبر الشعلات لضبط ضغط الغاز المتصاعد من الإيثان السائل.

لكن مهندسي معمل تجزئة سوائل الغاز الطبيعي في ينبع استطاعوا تطوير فكرة تساعد في وقف هذا الهدر للموارد والحد من انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري بالمقارنة مع أعمال الحرق، كما أنها تؤدي أيضًا إلى الاستفادة من الغاز المتصاعد.

وبدلًا من استخدام الأنظمة التقليدية لاستخلاص غاز الشعلات، التي تتطلب الاستعانة بضواغط الغاز، قرر فريق ينبع المبدع توجيه غاز الإيثان ليُستخدم كوقود في مراجل إنتاج البخار في وحدة المرافق.

وقد حقق التفكير الإبداعي عديدًا من الفوائد، منها الحد من الانبعاثات المرتبطة بحرق الغاز عبر الشعلات، وتجنُّب إهدار الموارد، وخفض التكلفة.

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge