إضاءة

عن الشغف

عن الشغف

لعل البعض منا تساءل في يومٍ ما عن الأسباب والدوافع التي تمكّن الناس من إظهار ذلك المستوى العالي من الالتزام والبقاء مخلصين ومندفعين تجاه نشاط أو قضية معيّنة لسنوات، وأحيانًا مدى الحياة.

قدّمت نظرية العزم الذاتي في التحفيز التي جاءت من نتائج أبحاث كلّ من إدوارد ديسي وريتشارد رايان شرحًا موضوعيًا وعلميًا عن الأسباب والحاجات النفسية والطبيعية لدينا نحن الأفراد، التي تدفعنا لأداء بعض النشاطات دفعًا شديدًا دون أي تدخلات خارجية. من أهم ما جاءت به هذه الأطروحة هي النظرة المعاكسة تمامًا للاعتقاد السائد حينها، ولا يزال حتى يومنا هذا، بشأن دور الحافز الخارجي ومدى فاعليته في استمرارية الدوافع لدينا بشكل سليم ومنسجم مع ذواتنا الإنسانية الفطرية بفهمٍ عميق، وهو ما رسخته النظرية في طرحها لمفهوم الحافز الداخلي.

وعلى ذاتِ الِمنوال، ركّزت النظرية على الحافز الداخلي وهو المبادرة الذاتية التي تدفع الفرد منا تجاه أداء عمل أو نشاطٍ حبًا فيه، ولكونه شيقًا ومرضيًا في حد ذاته. وهذا، بحسب ديسي وريتشارد، منسجم مع الطبيعة البشرية في استمرارية السمات الإيجابية.

يمكن تعريف «الشغف» أنه: ميل قوي نحو ذلك النشاط الذي يحبه الناس ويجدونه مهمًا ويستثمرون فيه الوقت والطاقة. يرتبط الشغف ارتباطًا وثيقًا بالحافز الداخلي الذي يغذي عدة احتياجات فطرية ضرورية، أهمها الشعور بالكفاءة، والارتباط، والاستقلال الذاتي. وقد وجد كل من ديسي وريتشارد في هذه الاحتياجات ضرورة فطرية مشتركة في ذات الإنسان، وغير مرتبطة بزمن محدد أو جنس دون آخر أو ثقافة معينة، كما هو الحال في الاحتياجات المكتسبة. ويرتبط مفهوم الشغف بالعاطفة ارتباطًا وثيقًا، حسب دراسة روبرت فاليراند التي نشرتها دورية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي في العام ٢٠٠٣م، والتي افترضت كذلك وجود نوعين من العاطفة يرتبط كلّ منهما بنتائج وتجارب مختلفة. ومن هذا الارتباط، توصّل فاليراند لوجود نوعين من الشغف، هما: الشغف المتناغم، والشغف الهوسي.

أما المتناغم، فيشير إلى الاستيعاب الذاتي الذي يدفع الأفراد إلى اختيار الانخراط طوعًا في النشاط الذي يحبونه. في حين أن الشغف الهوسي يشير إلى الاستيعاب الداخلي الخاضع للرقابة في هويّة الفرد، ويؤدي إلى تجربة رغبة لا يمكن السيطرة عليها للانخراط في النشاط. ففي حين يعمل الشغف المتناغم على تعزيز التكيف الصحي المعزز للاستمرارية، يحبط الشغف الهوسي ذلك التكيف، مما ينتج عنه التأثير السلبي والمثابرة الصارمة.

وعلى الرغم من أننا لا نملك الكثير من الخيارات أو القدرة على التحكم في رغبتنا بالمشاركة في بعض النشاطات مثل المدرسة والعمل، فعلينا جميعًا أن ندرس ونعمل في مرحلة ما من الحياة، إلا أننا نقوم بالنشاطات الأخرى التي نشارك فيها خاصة أثناء أوقات الفراغ، كالرياضة والكتابة والرسم وما إلى ذلك.

وفي نهاية المطاف، وبعد فترة من التجربة والخطأ، سيبدأ معظمنا في إظهار تفضيلهم لبعض النشاطات، خاصة تلك النشاطات الممتعة، والسماح بتلبية احتياجات الكفاءة والاستقلالية والارتباط.

وختامًا، فمن المهم أن نعي الفرق بين الشغف والموهبة والحرفة. فعلى الرغم من وجود نقاط تلتقي فيها هذه السمات، إلى أنها تختلف في كينونتها في ذات الفرد. وعلى سبيل المثال، قد نرى أن الشغف والموهبة يلتقيان من منظور العاطفة والاستقلال الذاتي، إلا أن الموهبة مرتبطة بأوقات الفراغ أكثر من الشغف. أمّا الحرفة، فقد لا نرتبط بها عاطفيًا إلّا أن الكفاءة فيها مهمة بقدر كبير. ولذا، فإن الوعي بهذه الفروق مهمٌ، بالدرجة الأولى، كي نتمكن من تمكين قدراتنا وتطلعاتنا الفردية والاجتماعية.

 

عبدالله حسن الضامن، إدارة أعمال الكمبيوتر في مركز إكسبك.
يرحب أرامكو لايف بمشاركة الموظفين في الكتابة لزاوية إضاءة، وذلك لتعميم الفائدة من خلال ما يطرح فيها من أفكار متنوعة تعبّر عن آراء كتّابها.

 

 
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge