إطلالة

دروس تعلمتها

دروس تعلمتها

في آخر يومٍ من شهر مارس، أقام لي الزملاء حفلًا بهيجًا بمناسبة تقاعدي المبكر عن العمل، بعد ما يقرب من ٢٦ عامًا قضيتها في رحاب شركتنا العظيمة، أرامكو السعودية، غمروني فيه بمشاعرهم النبيلة، وطوقوني بجميل كلماتهم، وأحاطوني خلاله بمحبتهم ووفائهم.

كنتُ قد أعددتُ كلمة لتلك المناسبة، ذكرتُ فيها ستةً من الدروس المهمة التي تعلمتها خلال رحلتي الطويلة في الشركة. ولكنني آليتُ أن أكتبها هنا ليستفيد منها عدد أكبر من قرّاء القافلة الأسبوعية.

أول هذه الدروس هو «الاحترام» لموظفيك، زملائك ورؤسائك، وكل من تتعامل معهم، بغض النظر عن اختلافاتكم. ولا يكن احترامًا انتقائيًا حسب المنصب أو المكانة، بل هو احترامٌ للجميع. وتأكد أنك باحترامك لهم ستكسب احترامهم في المقابل، بل ستكسبهم في صفك، وستجدهم يقدمون لك المساعدة والعون متى احتجتهم.

ومن احترامك لزملائك، أن تتعلم منهم، حتى لو ظننت لوهلة أنك أفضل منهم. وتأكد أن كل شخص حولك يتميز بأمرٍ ما ولديه شيء يتفرد به لا تملكه أنت أو تحسنه.

وثانيها، أنَّ عبارة «سأفعل أفضل ما أستطيع» قد لا تكون كافيةً أحيانًا لإتمام المهمة أو إنجاز مشروعٍ ما. لذلك عليك أن تتحدى نفسك وتشحذ همتك وتطوّر مهاراتك وتختبر قدراتك لأقصى درجة، لا لتحقق المأمول وتصل للتوقعات فقط، بل لتتجاوزها.

وتذكر أننا نكبر ونتطور بالتحديات والمهمات الصعبة التي ننجزها، وليس بالسهل منها. وكما قيل: «الطرق الوعرة والمتعرّجة هي التي تجعلك سائقًا ماهرًا، وليست الطرق المستوية».

من الدروس المهمة التي تعلمتها أيضًا، أن «فريق العمل» يستطيع أن يفعل أكثر وأفضل مما قد تقوم بأدائه وحدك. لذلك تحدث دائمًا مع زملائك. شاركهم أفكارك، واستمع لآرائهم وتعليقاتهم بإيجابية وجدية ولا تأخذها بشكل شخصي، وإلا ستضيّع الكثير من الأفكار والفرص الرائعة.

رابع تلك الدروس، أن تطوير الذات لا سقف له؛ فاعمل دائمًا على تطوير مهاراتك وصقل مواهبك. انظر لكل تحدٍّ بوصفه فرصة لتعلم شيءٍ جديد. لا تقل إني متمكنٌ من وظيفتي واحتياجاتها، وأمتلك من المهارات ما يؤهلني للقيام بواجباتي على أكمل وجه. بل أعدّ نفسك للتحدي القادم، للفرصة القادمة، وربما للوظيفة الأعلى.

خامسًا، ركز على المهارات الناعمة «soft skills»، كفنون الكتابة والإلقاء والحوار والاستماع والإقناع والذكاء العاطفي والتحفيز والتفكير التحليلي وحل المشكلات وغيرها الكثير، واعمل جاهدًا لتتطور في هذا الاتجاه. وأصدقك القول إن هذه المهارات قد تفتح لك أبوابًا وتأخذك لأماكن ووظائف لا تتوقعها، وقد تكون أكثر تأثيرًا في مسيرتك الوظيفية من شهاداتك العلمية ومهاراتك التقنية.

وأخيرًا، وليس آخرًا، أود أن أخبرك سرًّا وهو أنك خلال مسيرتك الوظيفية ستقابل وستضطر للتعامل مع أناسٍ صعبي المراس، بل وستمر في مواقف عصيبة وتحديات صعبة جدًا، حيث تظن أنك لن تخرج منها أو تتجاوزها أو قد تكون نهاية مسيرتك الوظيفية هنا وعلى أيديهم.

ولكني أؤكد لك أن هذه التحديات والظروف الاستثنائية ستتيح لك فرصة التعلم والتطور أكثر مما يُتاح لك في الظروف العادية، وأن هذه الظروف الصعبة ستمر كما مرَّ غيرها من قبل. المهم ألا نستسلم أو نتوقف، وأن نخرج منها أقوى وأفضل وأكثر إصرارًا وعزيمة.

أرامكو السعودية مدرسة عظيمة، تخرّجت منها أجيال وأجيال، وتعلمنا فيها الكثير من الدروس، ولكن ما ذكرته أعلاه ربما يكون أهم تلك الدروس أو أقربها إلى ذهني حين قررتُ الحديث عنها.

 

متعب القحطاني، كاتب سعودي.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge