إضاءة

الظهران على مر الزمان

الظهران على مر الزمان

قبل 66 عامًا -تحديدًا عام 1956م- ومن إحدى قرى جنوب المملكة، سافر فتىً في الخامسة عشر من عمره، حاملًا على كتفيه هموم المستقبل ومتاعب الحياة من فقر ومسؤولية تجاه أفراد أسرته الذين ينتظرون منه أن يعينهم في البحث عن مصدر لقوتهم ورزقهم.

بدأت القصة حين أخبر الفتى أباه برغبته في الذهاب للعمل في المنطقة الشرقية. تردد الأب عدة أيامٍ، ولكن ظروف المعيشة لا ترحم. وافق الأب في النهاية وقال لابنه: أنت رجل وأملي كبير بأن يحالفك النجاح! ودّعهم ذلك الفتى وركب على ظهر شاحنة من نوع ماك أمريكية الصنع، حيث بدأت الرحلة الشاقة البطيئة المليئة بالأعطال و«التغاريز» في رمال الصحراء إلى أن وصل إلى الرياض بعد سبعة أيام.

هناك بدا كل شيء من حوله مبهرًا له. أصابته الدهشة عندما شاهد المصباح الكهربائي لأول مرة في حياته، ودهشة أخرى أكبر لضخامة وآلية عمل القطار الذي استقله فيما بعد للوصول إلى الدمام.

انتقل بعد ذلك مشيًا على الأقدام إلى الظهران لدى أحد أقاربه من موظفي أرامكو. وبالرغم من الفاقة والحاجة، إلا أن عادات وتقاليد العرب تستوجب عليهم إكرام الضيف ومساعدته في جميع الأحوال.

كان حلم هذا الشاب محصورًا في العمل بكل جهد وإرسال المال إلى أسرته. ومن حسن حظه أنه قد تعلم القراءة والكتابة و حفظ ما تيّسر له من كتاب الله. في ذلك الوقت، كانت الأمية منتشرة، وكان من النادر وقتها وجود شخص متعلم أو يحسن القراءة والكتابة.

في اليوم التالي، صعد الطفل مع قريبه لأحد جبال الظهران وبدأ يشاهد من علوٍّ وعبر الأفق قليلًا من «الصنادق» في منطقة الثقبة القريبة من منطقة الظهران، وكذلك بعض المباني القليلة المتناثرة في مدينة الخبر الصغيرة. كانت لمعة الساحل الشرقي تزيد المنظر بهجة وجمالًا. فيما عدا ذلك، كان ما يراه محض أراضٍ فضاء وقفار لاحياة فيها.

مع مرور السنين، انتعشت المنطقة بعديد من الطفرات الاقتصادية وتوالت الجهود في جعل الظهران مركزًا ومنارة للتقنية والتمدن والثقافة. انتشرت الطرق المعبّدة في أرجاء الخبر والظهران، كما تنمو وتنتشر العروق في جسم الجنين.

بدأت صغيرة ثم كبرت، وتبعها جسور وأنفاق ضخمة، علت المباني ولامست عنان السماء. أصبح الساحل جاذبًا للمتنزهين بأسلوب عصري وأنيق.

انتشرت المدارس في أنحاء المنطقة بأكملها، وبدأ الأطفال بالتعلّم في سن مبكرة. كانت النتيجة هي ظهور أجيال متعلمة من الشباب والشابات، وكانت بصمة أرامكو واضحة جدًا من ناحية بناء مدارس عالية الجودة وإرسال المكتبة المتنقلة للعديد من المدارس، مما ساعد الطلاب على تنمية موهبة وهواية القراءة.

في أحد الأيام ذهب ذلك الرجل وقد أصبح شيخًا في عقده الثامن في زيارة لمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) لأول مرة، وصعد إلى أحد الأدوار في قمة البرج، وشاهد منطقة الظهران والخبر وما حولها وقد امتلأت كثافةً سكانيةً ونهضةً عمرانيةً منقطعةَ النظير، فقد انتشرت الجامعات والمدارس والمجمعات التجارية والترفيهية والمراكز الطبية، وسوى ذلك من الخدمات الأخرى، فما كان من الشيخ الوقور إلا أن قال: «صعدتُ الجبل فتىً صغيرًا وكان كل شيء قاحلًا، وصعدتُ البرج شيخًا فرأيتُ الظهران شامخةً بحضارتها وتقدمها».

ثم قال: «نحمد الله على نعمتَي الأمن والأمان والتطور الذي وصلنا إليه. لقد أصبحت الظهران مدينة تسابق الزمن و تزداد جمالًا كل يوم».

 

ترحب القافلة الأسبوعية بمشاركة الموظفين في الكتابة لزاوية إضاءة، وذلك لتعميم الفائدة من خلال ما يطرح فيها من أفكار متنوعة تعبّر عن آراء كتّابها.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge