إطلالة

"ممتلئ من الداخل"

"ممتلئ من الداخل"

غالبًا ما تنتاب الكثيرين منا مجموعة من المخاوف الاجتماعية، وذلك بسبب طبيعة العلاقة بين البشر أنفسهم ودخولهم في غمار المنافسة والمفاضلة والتفرقة بين بعضهم بعضًا، مما يولّد شعورًا بالنقص الداخلي، وهي نزعة بشرية تتفاوت بحسب سيطرة الإنسان على هذا الجزء المظلم في داخله وقدرته على تحجيمه أو التقليل من ظهوره. وهناك من يتغذى على خوف الآخرين ومشاعرهم السلبية تجاه أنفسهم، فتجده يعيش أجمل لحظاته حين يتلذذ بالاستنقاص من الآخرين. 
 وتتفاوت المخاوف في تأثيرها أيضًا، حيث يعتمد تأثيرها بشكل خاص على حجم الشعور بالنقص أو الشعور المتدني بالرضى الداخلي، بداية بخوف الشخص من الانتقاد والحرج المصاحب له، ومرورًا بخوفه من الظهور بمظهر الضعيف، حتى لو كان ذلك مجرد شعور وهمي وليس حقيقة. وحول هذا الأمر، يقول الدكتور علي الوردي، رحمه الله، إنه ليس هناك حدٌّ واضح بين الوهم والحقيقة، فالوهم كثيرًا ما يؤدي إلى خلق الحقيقة، فما يتوهمهُ الإنسان يصبح واقعَه حقًا.

وهذا النوع من المخاوف الاجتماعية يصيب نقطة الشعور الداخلي بالنقص لدى الإنسان، فيضخمه الفرد ويجعل منه مشهدًا مرعبًا متكررًا، فيكون الخوف ردة فعل طبيعية استعدادًا لما يفرزه عقله من خيالات وأوهام حول رأي الآخرين عنه. 
ووحده "الممتلئ من الداخل" قادر على الحضور بلا مخاوف، دون انتظار لرأي أو انتقاد، أو حتى السعي لكسب إعجاب أحد، فهو قد بلغ مرحلة السلام الداخلي. وهذه الصفة تحديدًا من أعظم الصفات البشرية، لأن خيرها ينعكس على الإنسان نفسه أولًا ثم يعمُّ الآخرين حوله، كما أنها صفة تجلب راحة العقل وطمأنينة النفس.

ولا أقصد هنا الثقة بالنفس، فالثقة أقل درجةً من الامتلاء الداخلي، فقد تكون الثقة في غير محلها. لكن الامتلاء هو المعرفة الحقيقية بالنفس ومكانتها وتقديرها، فتجد صاحب هذه الصفة الجميلة هو أكثر الحضور تقديرًا لغيره؛ فهو لا يرى في الحياة منافسة، لأنه يعلم مَن هو وأين يكون وماهي مكانته في عين نفسه، وهي الأهم. 
وأما الآخرون، فهم في نظره شخصيات مختلفة، لكل واحد منهم طابع خاص، وكأنه ينقل المشهد من ساحة معركة تنافسية إلى مساحة هادئة يعيش الكل فيها حسب شخصيته الحقيقية.
وتظهر هذه الصفة لدى القائد الجيد، فقد قيل لعبدالله بن الحسن: "فلان غيرته الولاية"، فقال: "من ولّي ولاية يراها أكبر منه تغيّر لها، ومن ولّي ولاية يرى نفسه أكبر منها لم يتغيّر لها". والشاهد هنا أن الممتلئين من الداخل أكبر من أن يُشغلهم كرسي المسؤول، وأكرم من أن يكون المنصب هو هويتهم، فهويتهم مستقلة. 

والمسؤول الممتلئ من الداخل لا يشعر بالتهديد من الآخرين، فهو يمارس واجباته تجاه العمل مع الفريق الذي يمارس واجباته أيضًا بنفس القدر من الأهمية بالرغم من اختلاف المهام، فتجده أكثر واقعية وأهدأ من ناحية ردود الفعل وأبسط في التعامل مع العقبات وألطف في المشاركة وتبادل الآراء مع فريق العمل.
ولا يوجد إنسان كامل بالتأكيد، فحتى الممتلئ من الداخل قد يكون ممتلئًا في جوانب معينة ويحمل نقصًا في جوانب أخرى، لكننا كبشر من واجبنا أن نصل لمرحلة الثبات ورؤية الحياة والآخرين والواجبات على شكلها الحقيقي الواقعي البعيد عن إكمال نقصنا بتضخيم الـ "أنا العظمى" في محاولة  دؤوبة لإصلاح الذات، يعود نفعها علينا وعلى الآخرين من حولنا.

 

 

عبدالله البكر، شاعر وكاتب سعودي.
 زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية

 

 
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge