الفنان الضيف

الخروج من عادّيتنا بابتكار نظرتنا إلى الأشياء

تبعث الفنانة السعودية مها ملوح الروح في القطع المهملة، تعيد بناء اتصالها ببعضها لتنعش ذاكرة المجتمع، تتبع التفاصيل المبعثرة في الأشياء الروتينية، وتنقذها من الإهمال وتعيدها في صورة قطع فنية دالة على طرف من حكايتنا المجتمعية.

الخروج من عادّيتنا بابتكار نظرتنا إلى الأشياء

تأثرت مها ملوح بشكل كبير بارتباطها الروحي بمنطقة نجد التاريخية، بتراثها الديني والثقافي القوي، والأقمشة المزخرفة الملونة، والعمارة النجدية القديمة، وكلها عناصر أثرت بشكل كبير في فنها.

مها الحاصلة على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من جامعة الملك سعود بالرياض وشهادة في التصميم والتصوير من كلية (De Anza) في كاليفورنيا.

تعمل مها في المملكة العربية السعودية ودوليًا منذ عام 1976. لا تميل لتبني أي روتين فني يمكن أن يؤطر أفكارها، وتواصل تطوير ممارساتها بشكل جذري، وأحدث أعمالها هي في الواقع الأكثر تجريبية لها.

نزور المتاحف في جميع أنحاء العالم للتعرف على الثقافات عبر التاريخ عن طريق الآثار والقطع التي تركتها الأمم السابقة سواء في الملبس والمأكل والمسكن، وبذاك فالأدوات والأغراض التي نستخدمها في حياتنا اليومية هي الثقافة المادية التي يتعرف علينا العالم من خلالها.

الفن لدى ملوح أكثر من وجه، وليس شيئًا ثابتًا، لكنه يحمل أكثر من تأويل، وله أبعاد وأعماق مختلفة، وعن استيعاب الحركة الفنية السعودية هذه الأبعاد الكاملة للفن، تقول ملوح "الحركة الفنية السعودية في بدايتها و تبشر بمستقبل باهر ولكن لا نستطيع الان ان نقول انها استوعبت الابعاد الكاملة للفن . نحتاج جهد ووقت و رعاية فنحن نملك البذور الصالحة والموارد الوافرة وقادتُنا اليوم هم أصحاب رؤيا يسعون لمستقبل أفضل على كافة الأصعدة الحياتيّة.

ومن أجل أن يطور الفنان من بصيرته وذائقته لتحويل المألوف العابر إلى عمل فني وإبداعي مؤثر وعميق، تعتقد ملوح " أن الإنسان يحتاج في البداية إلى شغف وحب في البحث والتأمل في الحياة والأحداث حوله والعمل الدؤوب المتواصل، فالانغماس بالعمل والتجارب يأخذ الفنان إلى نتائج غير متوقعة.

العولمة.. الاستهلاك.. السفر

لعقود احتفظت ملوح بمهمة الحفر عميقاً في تجذر هذه المفاهيم داخل بنية المجتمع المحلي، اختارت أن تختبر هذه العلاقة عبر أكثر الأشياء اتصالاً بالحياة اليومية والعفوية للأفراد، جالت كثيراً في الأسواق الشعبية وبين الباعة المتجولين وفي بازارات الأثاث المستعمل والنادر وغير المطروق، هناك حيث لم تغطي سحابة الاستهلاك العصري بعد انتباه المجتمع.

في عدد من أعمالها المختلفة، تحاول مها اكتشاف العلاقة التناوبية بين الأفراد والأشياء، بين من يمول الآخر بالأفكار والخيارات، ويكسب الآخر تأثيراتها العابرة وطويلة الأجل.

في الوقت نفسه، تؤرخ التغييرات الكبيرة التي استمرت في الحدوث في السعودية على مدى العقود الأخيرة، مع الصدامات الناتجة بين التقاليد والحداثة.

تشمل أعمال مها توظيف وسائط مختلطة، وتستخدم أشياء يمكن رؤيتها كرموز تاريخية للهوية السعودية الجماعية، من بينها أطباق تشينكو الضخمة وأشرطة الكاسيت للمحاضرات الدينية وبراميل الزيت المهملة والأبواب المعدنية النموذجية في المنطقة.

تعتبر ملوح أن القيمة الفنية والثقافية لإعادة الذاكرة الثقافية والهوّية الجماعية للسعوديين عبر القطع اليومية المنسية عالية الأهمية، فنحن حسب قولها " نزور المتاحف في جميع أنحاء العالم للتعرف على الثقافات عبر التاريخ عن طريق الآثار والقطع التي تركتها الأمم السابقة سواء في الملبس والمأكل والمسكن، وبذاك فالأدوات والأغراض التي نستخدمها في حياتنا اليومية هي الثقافة المادية التي يتعرف علينا العالم من خلالها" .

قد تختزن القطع حالة الإنسان والحمولات الفكرية والثقافية للزمن، فهي ليست مجرد أدوات استهلاكية جامدة وخرساء، وبالنسبة لملوح هي ابتداءاً تخلق لاستخدام معين وحين ينتهي هذا الدور تنتقل لحالة شاعرية (poetic) تحمل الكثير من المعاني و القصص والذكريات.

ما تفعله ملوح هو تقريباً البحث عن وظيفتها الجديدة، على الأقل في إنعاش الذاكرة المجتمعية أو ترتيب صورها ومختزناتها الثمينة.

أقامت مها أول معرض منفرد لها "التقاط الضوء" في غاليري O بالرياض (2007) وعرضت في العديد من الأحداث الدولية، بما في ذلك العديد من معارض Edge of Arabia ومعرض الحج بالمتحف البريطاني (2012) ومعهد العالم العربي في باريس (2012 & 2014). Hauser & Wirth ، London (2013) ، Art Basel Unlimited 2014 ، Saatchi Galerie London (2016) ، بينالي البندقية السابع والخمسين (2017).

مها مدرجة في عدد من المجموعات الهامة، بما في ذلك جميل للفنون ، UBS ، المتحف البريطاني ، تيت مودرن في لندن ، مركز جورج بومبيدو في باريس ، متحف ماك ، فيينا ، أبو ظبي اللوفر ، جوجنهايم أبوظبي ومؤخراً متحف موما سان فرانسيسكو الحديثة، الولايات المتحدة الأمريكية.

ماذا سيحفظ التاريخ الاجتماعي لهذه المرحلة المفصلية وسيخزن في ذاكرته لهذه النقلة النوعية في طبيعته الثقافية والفكرية، تقول مها "سيحفظ التاريخ للمجتمع أسلوبه الواعي في التناول والاستجابة للنقلة والتغيير في فترة زمنية بسيطة بدون أي تعارض مع تراثهم وعقيدتهم".

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge