إطلالة

الطموح الوظيفي والتوجه الوطني

الطموح الوظيفي والتوجه الوطني

«أريد أن أكون طبيبًا» وآخر «طيارًا» وثالثُ «مهندسًا»، تلك هي إجابات أطفالٍ سُئلوا عن طموحهم المستقبلي، ومستقرهم الوظيفي، فهل هو مبلغ الحلم ومنتهى الأمنيات! أم أنها أعتاب البدايات لغدٍ مشرقٍ آت! فكيف لمن بلغ مفترق الطرق عند أبواب سوق العمل أو حتى من التحق به، للخروج من مربع الأماني إلى ساحة التفاني، ومن الاكتفاء بالكلمات إلى شق الطرقات، بمنهجية رصينة نحو صعود سلم النجاح المهني.

إليكم حكاية أحمد، ففي يومٍ كنا في زيارة إحدى الشركات لتقييم الأداء المؤسسي، وكان يرافقنا نائب الرئيس التنفيذي الذي أبهرنا بإلمامه الشامل لجميع الأعمال، وقدرته اللافتة لقيادة المشاريع، فسألت الرئيس التنفيذي عنه، فابتسم وفاجأني بقوله: قبل ثلاث سنوات كان أحمد يعمل موظف استقبال، أيعقل ذلك؟! أدركت حينها يقينًا أن الأمر مع أحمد ليس مبسم حظٍ أو بلسم واسطةٍ، بل نتاج عمل دؤوب مخطط، كسر السائد بأدائه السديد حتى صنع هذه المكانة في بضع سنوات، منطلقًا من إيمانه الراسخ بأن الحلم ليس الذي يأتي في المنام، بل الذي يجعل الإنسان حقًا لا ينام.

حديثي اليوم يرتكز على خلاصة التجربة، وعصارة الخبرة في ساحات الأعمال المختلفة ليُعبّد، في ست محطات، السبيل تجاه الهدف الوظيفي لحديثي التخرج أو الباحثين عن العمل، وكذلك لمن هم على المقاعد الوظيفية ويسعون للتقدم علوًا في مستويات الهيكل التنظيمي، والوثب سريعًا لنيل الموقع القيادي.

أولًا: تحديد الوظيفة المستهدفة، وهذه الخطوة ترتبط منطلقاتها بمحددات جمة، منها التخصص الدراسي والميول والقدرات، أو دعوني أكون أبلغ وأدق، وأقول «الشغف»، نعم إنه الشغف الجلي والمحدد الذي تدفعه مكائن «حب ما تعمل واعمل ما تحب»، وليس كما يقول البعض في المقابلات الوظيفية «أينما تضعني ... تجدني» في إجابة محيرة لمن كرس استثماره الحقيقي في المواهب البشرية.

ثانيًا: المجال المستهدف، أي مجال الوظيفة التي يسعى بناء رحلته فيها، كالخدمات اللوجستية مثلًا أو المسؤولية المجتمعية ونحو ذلك.

ثالثًا: خيارات المؤسسات، وهنا يتم وضع قائمة المنشآت التي تضم بين أروقتها ذلك المجال وتلك الوظيفة، فكلما كان المسار أكثر تحديدًا، كلما تقلصت فرص مخاطر الخروج عن مضمار السبق المستقبلي.

رابعًا: التحليل الشخصي للواقع الذاتي مقارنةً بمتطلبات الوظيفة المستهدفة، وذلك وفق مرتكزات عدة منها المؤهلات، والمهارات، والمعارف، العلاقات وغيرها. ثم يتم قياس حجم الفجوة بين الإمكانات الحالية وبين متطلبات الوظيفة المستهدفة ليقوم بعدها بتجسير الهوة.

خامسًا: بناء خطة التحسين لردم تلك الهوة، مستعينًا بعدة ممكنات من بينها التدريب الذي لابد أن يشمل مسار التخصص، وكذلك متطلبات المرحلة الحالية كإدارة المشاريع، والتخطيط الاستراتيجي، ونحوها من البرامج المهنية المعتمدة عالميًا. سادسًا: التسويق الذاتي، والذي يتطلب الحرفية العالية في عرض «البراند» أو العلامة الشخصية بطريقة مبتكرة وبفاعلية عالية في الميادين المختلفة المرتبطة بالمجال، مما يسهم في بناء السمعة الذاتية الجيدة التي تقود أرباب العمل لاقتناص ذلك الشخص.

أختم القول بأن المملكة وضعت أقدامها في ميادين السبق والتنافسية العالمية، وحولت مؤشر بوصلة الدول نحو تجاربها النوعية، مرتكزةً في ذلك بعد الله على سواعد أبنائها الذين آمنت أنهم شركاء المنجزات الحضارية والطموحات التنموية، وأنهم فرسان السبق والتطوير وحلفاء الازدهار والتغيير، الذين ارتكز عليهم سمو ولي العهد عندما قال « بعون الله ثم بعزيمة أبناء الوطن، سيفاجئ هذا الوطن العالم من جديد». لذا، فليكن التوجه الوطني علم البداية، وحتمًا ... سيقودك إلى حلم النهاية.

 

عبدالعزيز المحبوب، كاتب ومستشار في التخطيط والتميز المؤسسي.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge