إطلالة

الرحيل بالبيت

الرحيل بالبيت

لا يستطيع المرء الفكاك عن بيته .. حارته .. وطنه، فهو يحملهم معه أينما حَلّ أو ارتحل. يقول الفيلسوف غاستون باشلار:"إن ماضينا يأتينا كاملاً ليسكن البيت الجديد، فالأماكن التي مارسنا فيها أحلام اليقظة تعيد تكوين نفسها في حلم يقظة جديد." فالأمر وإن كان أقرب إلى المجاز، إلا أنه أقرب ما يكون إلى صورة السلحفاة، وهي تحمل بيتها على ظهرها، فالمرء يحمل ما هو أثقل من تلك الحَجرة على الظهر، فهو محمّل بإرث وذكريات لا حصر لها، وهذا ما يجعل حب البيت الأول في الذاكرة مصحوباً بخداع بصري. فسعة المكان في الصغر؛ يكذبها ضيقه في الكبر، وكأن المكان يخبرك أو تخبره بأنك كبرت، مستحضرًا حجرة السلحفاة التي تكبر معه، ومتناسيًا حجمها عندما كنت صغيرًا، ومتمثلا قول إيليا أبو ماضي :
وطن النجوم ... أنا هنا           حدّق ... أتذكر من أنا؟
ألمحت في الماضي البعيد        فتى غريرًا أرعنا ؟

تظن أنه نسيك، وأنك ما زلت الأشد ذاكرة، بينما مسقط الرأس حضن الأم الذي لا يكبر على وليدها فتيا، وأنت الكهل الذي يردد مع غازي القصيبي مخاطبا مسقط رأسه (الهفوف) في مطلع قصيدته :( أتذكُرينَ صبيّا عادَ مُـكتهلًا )!، بينما المكان  يحمل ذاكرة الصبي ولا ينسى أحدًا، فهو يرفل في صغر حجمه وإن شاخ جسده الذي تراه اليوم، وظل وفيًا مترقبًا عودتك ولو بعد حين، فكل من شرّق وغرب لا بد له من وطنه ولو طال السفر. فربما يتعجب من يرى اشتياق من يعيش في عالم متقدمٍ إلى العودة للوطن، لكنه الشعور الملح الذي لا يعرفه سوى من اغترب، وكبر ليعود على قدميه مشتاقًا إلى وطنه؛ ليختار الوسادة التي تركها صغيرًا.

فالسؤال الذي يطلقه محمود درويش في قصيدته ( طباق ) عن إدوارد سعيد -المفكر الفلسطيني الأصل الأمريكي الجنسية- حين يسأله شعرًا: "ألم تتسلَّلْ الى أمس، حين ذهبتَ الى البيت، بيتك في القدس في حارة الطالبيّة؟"
فالأمس ما هو إلا البيت الذي يشتاق إليه كل من هجر وطنه ، ويظل حلم التسلل إلى الذكريات مهمة يومية يقوم بها كل من اغترب إما بتقليب الصور القديمة، وإعادة شريط الذكريات، ولكن الحقيقة تأتي في صورة جواب على لسان إدوارد سعيد: "هَيَّأْتُ نفسي لأن أتمدَّد في تَخْت أمي، كما يفعل الطفل حين يخاف أباهُ. وحاولت أن أستعيد ولادةَ نفسي، وأن أتتبَّعُ درب الحليب على سطح بيتي القديم، وحاولت أن أتحسَّسَ جِلْدَ الغياب، ورائحةَ الصيف من ياسمين الحديقة. لكن ضَبْعَ الحقيقة أبعدني عن حنينٍ تلفَّتَ كاللص خلفي." 

"طرقت دروثي بكعبها ثلاث مرات، وتلت التعويذة في فلم (ساحرة أوز)  1939م مرددة: لا مكان مثل البيت، حتى خرجت من العالم السحري؛ لتعود إلى سريرها في منزلها، وبرفقة أهلها، فلا مكان مثل البيت على الإطلاق، فمهما طافت دروثي في عالم سحري بهيج؛ - فـلا بد من صنعاء ولو طال السفر."

د.محمد البشير، كاتب وناقد فني سعودي.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge