إطلالة

صداقةٌ.. بنكهة الطفولة

 صداقةٌ.. بنكهة الطفولة

ليال طفلة في الخامسة، لم أكن أعلم أنها وضعتني في خانة أصدقائها إلا ذات زيارة عندما سمعتها تقول لوالدتها: «كيف دعوتِ رائدة في نفس اليوم الذي سألتقي فيه صديقتي دانة». نعم قالت رائدة، «حاف»، ملغية جميع الاعتبارت والفروقات بيننا ومعها الأيام والسنوات والتجارب، وكأنها تريد أن تخبرنا أن لا قواعد منطقية في هذه الحياة، التي نحاول أن نمنطقها نحن الكبار عنوة.

لم تزعجني عفويتها يومًا ما، كانت كلما سنحت لها الفرصة بإرسال مقطع صوتي أو مرئي لا تتوانى في ذلك، ولم تجعل الوقت مقياسًا لشوقها، بل كان شوقها هو من يحركها، ففي أي لحظة وأي مكان كانت تمسك بجهاز والدتها أو والدها، وهو أخي، فتبحث عن صورتي الشخصية في برنامج الواتساب وتبدأ بالحديث.

كانت تحدثني وكأني صديقتها في عالم موازٍ أو منذ الأزل، وتشاركني تفاصيل يومها اللذيذة. وكنت أتساءل هل سأختلف معها كما أختلف مع صديقاتي؟ هل ستكون علاقتنا مبنية على الأخذ والعطاء؟ هل ستتغير مبادئ اللعبة حين تندمج ليال في مجتمعها الجديد؟ وما الذي يجب علي فعله لكي أبقى قريبة كصديقة؟ خاصة أن فكرة الصداقة هذه راقت لي كثيرًا.

حقيقة أعترف أن ليال بلورت قوانين الصداقة من جديد، ففي هذه العلاقة الحرية مكفولة للجميع؛ فمثلًا: تستطيع أن تنهي المحادثة فورًا عند شعورك بالضجر، ويحق لكلا الطرفين التعرف على مئات الاشخاص دون شعور أحدهما بالغيرة، ودائمًا هناك خط رجعة في العلاقة. كما أن التفاوض مهم جدًا، والكلمة الأخيرة لمن يقنع الآخر، أما اللعب والبهجة والضحك فدائمًا وأبدًا.

نستطيع إبداء رأينا في أي شيء بوضوح وبساطة، مثلًا: «هل أنت غاضبة؟ نعم، أنا غاضبة». والأسرار تقوي علاقتنا.

يُقال إنه لا يوجد شيء أكثر طيبة في الحياة من حب الأطفال، ويراودني الشك في أن ليال الجميلة تعرفت على أقسام الصداقة لدى أرسطو، فأعجبها النوع الثاني وفحواه أن الصداقة «متعة ووناسة»، بينما لم تنل الأنواع الأخرى إعجابها، وهي الصداقة التي توجهها المصلحة المتبادلة، وتلك التي محورها الفضيلة والمبدأ. ويبدو أنني أفضل الانتقال إلى نوع الصداقة الأخير هذا، أي العلاقة التي تسودها الحميمية والعطاء والتأثر والثقة.

وبعيدًا عن فلسفة أرسطو، أرى أن الطفولة السعيدة هي الحياة السعيدة، وهذا ما أظن أنني أجده في علاقتي مع ليال. يأتي الأطفال لكي يكملوا حياتنا، وهم يرون ما لا نراه على ما يبدو، وهذا ما يجعلهم مبتسمين دائمًا، فهم يرون العالم أكثر جمالًا. هكذا هم دائمًا ينقذون العالم بابتسامتهم، ويضيفون للحياة نكهة أجمل.

أخيرًا، أدعوكم لاختبار أرواحكم وقدرتها على الولوج في مؤامرة صغيرة في محاولة لإنقاذ هذا العالم. ودمتم مبتهجين!

 

رائدة السبع: كاتبة سعودية.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge