إضاءة

هروبًا من التحيُّز إلى الفشل!

هروبًا من التحيُّز إلى الفشل!

يغلب على حديثنا عن التغيير وخوض غمار تحدٍ جديد أن نصف ذلك التغيير أو التحدي بأنه صعب. وعلينا الإقرار بأن هذا الوصف دقيق بشكله الظاهر، إذا قلنا إن التغيير يتطلب كثيرًا من الجهد لنصل إلى الأهداف المرجوة منه. وعلى الطرف الآخر، في باطن هذا الوصف مساواة غير عادلة بين الصعوبة والفشل، وهذا ما يعيق قدراتنا الذهنية اللازمة للمضي قدمًا.

التحيُّز للفشل هو أمرٌ متأصل في أدمغتنا. وهذا ما توصلت إليه سلسلة من الأبحاث التي قام بها الباحثان في جامعة شيكاغو الأمريكية، إد أوبراين ونداف كلاين، حين استنتجا أننا نفترض أن الفشل هو نتيجة أكثر احتمالًا من النجاح، ونتيجة لذلك، نتعامل بشكل خاطئ مع النتائج الناجحة على أنها من باب الحظ لا أكثر، بينما ننظر إلى النتائج السيئة كدليل قاطع على أن التغيير صعب. وقد وجد الباحثان نفس التقييمات المنحازة في جميع المواقف التي خضعت للدراسة دون استثناء.

ويمكن لتحيزاتنا السلبية هذه أن تخلق نبوءة سامة تسعى لتحقيق ذاتها في كثير من مبادرات التغيير والمشاريع الجريئة، سواء أكانت في بيئة العمل أم في الأعمال الاجتماعية وغير الربحية بشكل عام. وكثيرًا ما يُستدل في هذا الصدد بالأسطورة التي تدعي أن نسبة فشل مبادرات التغيير تصل إلى ٧٠٪.

ولكن دراسة أجريت عام ٢٠١١م في دورية إدارة التغيير، بقيادة الباحث في جامعة برايتون البريطانية، مارك هيوز، أكدت أنه لا يوجد دليل تجريبي يدعم هذه الإحصائية، كما لا يوجد دليل موثوق به على الإطلاق يدعم فكرة أن ما يصل إلى نصف جهود التغيير التنظيمي والمبادرات الجريئة مصيرها إلى الفشل. وقد توصل هيوز إلى أن هذه الأسطورة للأسف نشأت من نقل غير علمي لإحصائية غير علمية، فأصبحت رائجة بحيث وصلت في النهاية إلى درجة الحقيقة المثبتة لكثرة تداولها في عديد من المؤتمرات والدوريات العلمية.

وفي حين أننا لا يمكننا الجزم بنجاح أي مبادرة أو مشروع أو تغيير، فإن الباحثين في جامعة شيكاغو يؤكدان أن بذل الجهد اللازم وتذكير المشاركين في المبادرة بإمكانية النجاح يعزز من فرص الوصول إليه بشكل كبير. وقد وجد الباحثان في دراستهما أن النتائج الإيجابية الناجحة كانت ملحوظة بشكل أكبر بمجرد تحضير المشاركين للتغيير، وتوضيح حقيقة بسيطة بالإشارة إلى نسبة النجاح العالية التي هي في متناول اليد.

وبمعنى آخر، فإن تعزيز فرص النجاح يعتمد بشكل كبير على تهيئة البيئة الإيجابية الحاضنة التي يمكنها استيعاب ما تتطلبه هذه المبادرة والتكيف معها بالتعلم واكتساب المهارات اللازمة. ومن المهم أيضًا أن نذكر أنفسنا دائمًا، عندما ينتابنا شعورٌ بأن «نذكّر صعب»، أن التكيف هو قاعدة الوجود البشري وليس الاستثناء. أو كما قال أبو الطيب المتنبي:

على قَدرِ أَهلِ العَزمِ تأتي العزائِمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارِمُ
وتعظُمُ في عَينِ الصغيرِ صِغارُها
وتصغُرُ في عَينِ العظيمِ العظائِمُ

 

ترحب القافلة الأسبوعية بمشاركة الموظفين في الكتابة لزاوية إضاءة، وذلك لتعميم الفائدة من خلال ما يطرح فيها من أفكار متنوعة تعبّر عن آراء كتّابها.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge