رحلةٌ بين الجبال في حديقة الحجاز..

رحلةٌ بين الجبال في حديقة الحجاز..

في يوم صافي الجوِّ، يمكنك الصعود إلى قمة جبل شدا الأسفل، لتمتِّع ناظريك برؤية المياه الزرقاء العميقة للبحر الأحمر تلوح في الأفق على بُعد 60 كيلومترًا. وحتى في فترة ما بعد الظهيرة من فصل الصيف، حيث الضباب يتدفق من السواحل، فإن الجبال والوديان الخضراء المورقة حول الباحة تخطف الأنفاس؛ وليس من قبيل الصدفة أن تُسمى هذه المنطقة بـ«حديقة الحجاز».

ولأن الأشهر الستة الماضية من الجائحة كانت بمثابة تحدٍّ لنا جميعًا، فمن الطبيعي أن نشعر بالحاجة إلى الخروج والاستكشاف مرة أخرى. ولا يُضطر المسافرون والمغامرون إلى الخروج من المملكة لرؤية مواقع مذهلة؛ وبالنسبة للمسافر الذي يهوى تسلُّق الجبال، واستكشاف المستوطنات القديمة، والعودة إلى الجمال الطبيعي، فإن الباحة ستكون مقصدًا مثاليًا.

تنوُّع الطبيعة

من السهل أن ننسى مدى تنوع المناظر الطبيعية، والثقافات العديدة في المملكة؛ وبالنسبة لأولئك الذين اعتادوا على الكثبان الرملية والواحات في المنطقة الشرقية، فإن درجات الحرارة المنخفضة في الباحة، والتضاريس الجبلية، والأراضي الزراعية المدرَّجة ستشكِّل صدمة إلى حد ما.

وخلال موسم الأمطار، من شهر أكتوبر حتى الربيع، تكتسي سفوح جبال الباحة بالنباتات الخضراء، ويجلب المطر الحياة إلى الشلالات. وتُحضر قنوات الري، التي تعود إلى قرون، تلك المياه إلى الحدائق والمزارع المدرَّجة، التي تُنتج البن والحبوب والحمضيات والمانجو، إلى جانب العسل الذي تشتهر الباحة به.

وبعد أن هبطنا في مطار الباحة، كانت محطتنا الأولى قرية ذي عين الأثرية، التي تبلغ من العمر 400 عام. اسم القرية مُشتقٌ من نبع ماء، أو عين، حيث تزوِّد هذه العين السكان بالمياه، كما تمدُّ بها الحقول الخصبة حول القرية بصفوفها الأنيقة من أشجار الموز. وتُعدُّ القرية، التي تم تطويرها مؤخرًا، مكانًا رائعًا لمشاهدة أمثلة مذهلة للهندسة المعمارية الحجرية متعددة الطوابق، التي يجدها المرء من الباحة مرورًا بجبال الحجاز حتى اليمن.

الكهوف والمزارع المدرَّجة

من ذي عين، سافرنا إلى جبال شدا البعيدة. وجهتنا كانت منتجعًا سياحيًا بيئيًا صغيرًا في قرية زراعية خضراء مورقة، تقع في أعلى جبل شدا الأسفل. هذا المنتجع كان مخيمنا الرئيس، حيث انطلقنا منه مع مرشدنا المخضرم، أبو عمر، في نزهات طويلة إلى الجبال، لرؤية منازل الكهوف التي تشتهر بها هذه المنطقة.

ولعدة قرون، كانت الكهوف، التي تتكوَّن بشكل طبيعي بفعل عوامل الطقس، التي تنحت صخور الجرانيت وتُفتِّتها، توفِّر ملجأ مثاليًا للمزارعين وأُسرهم. وفي حين أن معظم القرويين في هذه الأجزاء قد هجروا هذه المنازل التقليدية للحصول على منازل خرسانية أكثر حداثة، فلا يزال بإمكانك العثور على منازل الكهوف بجدرانها الحجرية المعقدة، ومن حولها المزارع المدرَّجة حيث تُزرع القهوة والدخن.

جمعان الغامدي، الذي لا يزال يزرع المحاصيل بالطريقة القديمة التقليدية، استضافنا في جولة في مزرعته الصغيرة المتنوِّعة، حيث البن والليمون والموز والمانجو والدخن. الغامدي، الذي درس علم الأحياء في الجامعة، احتفظ بالممارسات القديمة لتوجيه مياه الأمطار لأراضيه، كما أنه يحرص على تجنب المبيدات الحشرية، التي يمكن أن تقتل النحل الذي يلقِّح الأشجار، ويُنتج العسل الذي تشتهر به الباحة.

وحينما يحلُّ المساء، نتسلق أقرب قمة لنشاهد غروب الشمس، ونحتسي الشاي أو القهوة الطازجة المصنوعة على نار المخيم. بعض الأرواح الشجاعة تقضي الليل هناك تحت النجوم أو في بعض منازل الكهوف. المناظر الطبيعية وثقافة هذه القرى الجبلية مذهلة حقًا، ومختلفة إلى حدٍّ كبير عن منازلنا في المنطقة الشرقية. لكن يبقى شيء واحد ثابتًا، ألا وهو الضيافة؛ أينما ذهبنا، يقدم لنا المضيفون القهوة ذات اللون الذهبي، والخبز الطازج والأرز واللحوم المشوية، مما يُشعر الزائر بأنه موضع ترحيب في الباحة.

Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge