من عمال إلى حرفيين مهرة: بدايات مراكز التدريب الصناعي في أرامكو

عالمي   -  بقلم 

مدرسة الجبل.

روح الريادة

كيف أصبح صفٌ دراسي أقيم على تلٍّ منطلقًا لتأهيل أجيال من الكفاءات السعودية؟

قبل عقود من أن تصبح أرامكو السعودية إحدى كبرى شركات الطاقة العالمية، كانت الشركة تستثمر في موظفيها بوصفهم موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن أصولها التشغيلية، من خطوط الأنابيب إلى المصافي. ويُعد مركز التدريب الصناعي في الظهران أحد أقدم مبادرات الشركة وأكثرها تأثيرًا في مسيرتها نحو بناء وتأهيل قوى عاملة سعودية ماهرة.

متدربون يحضرون حصة في الطباعة على الآلة الكاتبة.

البداية من مدرسة الجبل

تعود جذور القصة إلى ما قبل إنشاء مركز التدريب الصناعي. ففي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، كانت أرامكو تدير «مدرسة الجبل» لتعليم موظفيها، وكان الموظفون السعوديون الشباب فيها يوزعون وقتهم بين الدراسة والعمل.

وفي عام 1946، تغيّر اسم مدرسة الجبل رسميًا إلى «المدرسة الإعدادية العربية»، وإن ظل معظم موظفي أرامكو يطلقون عليها اسمها القديم إلى أن دُمجت لاحقًا في مركز التدريب الصناعي في الظهران.

1955: مفهوم جديد للتدريب

افتُتح مركز التدريب الصناعي في يوليو 1955 بوصفه جزءًا من إدارة التدريب في الظهران، وكان يقدّم آنذاك برامج تدريبية لنحو 1,390 موظفًا سعوديًا، التحق بعضهم بالمركز بتكليف من إداراتهم، فيما التحق آخرون طوعًا. 

وشملت الدورات الطباعة باللغتين العربية والإنجليزية، وتعليم اللغة الإنجليزية بمستوييها الأساس والمتقدّم، والرياضيات والعلوم، إلى جانب التدريب على الأعمال الإدارية. أما الدورات التي كان يُخصّص لها وقتٌ من ساعات العمل، فاقتصرت على الموضوعات التي عُدّت ضرورية لتحسين أداء الموظف في وظيفته الحالية أو إعداده لمهام مستقبلية.

قاعة التدريب.

مطبوعات الشركة توثق مسيرة التدريب

تابعت مطبوعات أرامكو هذا البرنامج عن كثب منذ انطلاقه. فقد سلّط غلاف عدد يناير 1956 من مجلة «أرامكو وورلد» الضوء على قسم التطوير الصناعي العربي التابع لإدارة التدريب. وقبل ذلك، كان غلاف عدد أكتوبر 1952 قد أبرز الموظف السعودي راشد بن جابر في أثناء عمله في وحدة لفرز الغاز من الزيت بالقرب من بقيق، وهي مهنة اكتسب مهاراتها من خلال برامج التدريب التي قدّمتها الشركة.

إرث حاضر في مختلف المسارات المهنية

أصبحت مراكز التدريب الصناعي إحدى الركائز الرئيسة لمسيرة السعودة في أرامكو، وتدرج خريجوها في مساراتهم المهنية ليصبحوا كهربائيين وميكانيكيين وفنيي أجهزة ومشغلين ومهندسين وقياديين تنفيذيين. 

ولعل من أبرز القصص التي تجسّد أثر هذه البرامج قصة معالي المهندس علي النعيمي، الذي بدأ مسيرته متدربًا شابًا في برامج أرامكو التدريبية، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس الشركة وكبير إدارييها التنفيذيين، قبل أن يتولى لاحقًا منصب وزير البترول والثروة المعدنية في المملكة.

برنامج صُمّم ليستمر

عندما استعانت أرامكو باستشاريين خارجيين لمراجعة برنامج التدريب الصناعي، جاء تقييمهم، وفقًا لما رواه الأستاذ عبدالله السيف، أحد المسؤولين التنفيذيين الذين أمضوا سنوات طويلة في الشركة، مقتضبًا وحاسمًا: «لا شيء يمكن أن نقدّمه لكم، تملكون الأفضل».

وبحلول منتصف خمسينيات القرن العشرين، كان قسم التدريب الصناعي للمنطقة المركزية، بمسماه الجديد، قد بدأ أعماله، ليتوسع هذا النموذج لاحقًا في مختلف مناطق أعمال أرامكو. ومن فصل دراسي متواضع على تل إلى قسم تدريب متكامل يؤهل العاملين في الأعمال المكتبية والمهن الفنية والحرفية، تُختزل السنوات الأولى لمركز التدريب الصناعي حقيقة جوهرية في تاريخ أرامكو، وهي أن نمو الشركة لم يكن يُقاس بعدد براميل النفط وحدها، بل كان يُبنى من خلال تأهيل الموظفين وإعدادهم.

 

اضغط هنا للإطلاع على الخريطة التفاعلية لمسار أرامكو التراثي.


مقالات ذات صلة