لم تكن مجرّد وجبة: حكاية قاعات الطعام في أرامكو
عالمي اليوم - بقلم
روح الريادة
لنمنح ماضينا العريق مستقبلاً جميلاً.
تمثّل قاعات الطعام في أرامكو جانبًا ثريًا من تاريخ الشركة، وإن كان لا يحظى غالبًا بما يستحقه من اهتمام؛ فهي لم تكن مجرد أماكن لتناول الطعام، بل مراكز اجتماعية، ورموزًا تعكس التحولات في مستويات المعيشة، كما أنها استضافت عددًا من المناسبات المهمة.
وللمهتمين بتاريخ أرامكو، يروي تطور قاعات الطعام قصةً أكبر، بدأت في عام 1938 بقاعة طعام بسيطة في مخيم صغير بموقع نفطي ناءٍ، ثم تطورت إلى شبكة من مرافق الطعام الحديثة التي تخدم عشرات الآلاف من الموظفين من مختلف أنحاء العالم.
ويعكس هذا التطور مسيرة تحوّل الشركة من أعمال نفطية في منطقة صحراوية نائية إلى واحدة من أكبر شركات الطاقة في العالم.
محطات تاريخية لقاعات الطعام
في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، كان مخيم أرامكو الأول بالقرب من الظهران يضم قاعة طعام بسيطة، إلى جانب قاعة للترفيه ودار للسينما، شكّلت معًا الركائز الثلاث للحياة في مخيم العمل النائي ذاك. وكانت المواد الغذائية شحيحة، ومعظمها مستوردٌ، وهو ما دفع القائمين على المخيم إلى زراعة الخضراوات لسد النقص. ويتذكر بعض الموظفين ممن أمضوا سنوات طويلة في خدمة الشركة، بشيء من الحنين، كيف كان «ملفوفُ بروكسل» حاضرًا بكثرة على موائد الطعام، قبل أن تصبح إمدادات المنتجات الطازجة منتظمة وموثوقة.
بناءٌ صُمّم ليدوم
بحلول عام 1948، حلّت محلّ قاعة الطعام البسيطة في المخيم منشأةٌ دائمة، هي قاعة الطعام في الظهران، التي شيّدها حرفيون مهرة من الحجر المحلي. وأصبحت اليوم قصة تشييدها خلال الحرب العالمية الثانية جزءًا من تاريخ الشركة وذاكرتها. فقد وفّرت أساساتها المصنوعة من الخرسانة المسلحة الثبات اللازم على الأرض الرملية، في حين أسهمت جدرانها الحجرية السميكة في الحدّ من انتقال الحرارة والحفاظ على اعتدال الأجواء داخل المبنى. كما رُوعي في تصميمها تحقيق أقصى استفادة من التهوية الطبيعية، من خلال صفوف من النوافذ الكبيرة، في وقتٍ لم تكن فيه أجهزة تكييف الهواء قد انتشرت على نطاق واسع بعد.
نقلة نوعية في عام 1952
تُشير سجلات الشركة إلى أن عام 1952 شكّل نقطة تحوّل مهمة؛ إذ شهدت الأحياء السكنية الجديدة في الظهران ورأس تنورة وبقيق إنشاء مطاعم مزودة بأنظمة لتبريد الهواء، وطاولات تقديم مصنوعة من الحديد المقاوم للصدأ استوردت من إنجلترا، إلى جانب قوائم طعام تلائم الأذواق الشرق أوسطية والأوروبية على حدّ سواء.
كما خُصّصت قاعات طعام منفصلة لمواكبة التنوع المتزايد في القوى العاملة، وزُوّدت منافذ تقديم الوجبات الخفيفة بآلات إيطالية لإعداد الإسبريسو، وهي تفاصيل بسيطة، غير أنها عكست ما كانت تشهده الشركة آنذاك من نمو متسارع واتساع في آفاق أعمالها.
ملتقى لجوانب من حياة الشركة وفعالياتها
لم يقتصر دور قاعات الطعام على تقديم الوجبات، بل كانت ملتقى لعديد من الفعاليات والمناسبات. وتُشير السجلات إلى أن قاعة الطعام في الظهران استضافت في عام 1961 مأدبة تكريم لزوّار من نادي مكة الرياضي وعددٍ من الطلابِ السعوديين.
وفي عام 1963، خُصّص نصف قاعة طعام كبار الموظفين ليكون أول مساحة دائمة لمعرض في أرامكو، واستقطب المعرض خلال العقد التالي ما يُقدّر بنحو 300 ألف زائر، كان من بينهم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- قبل عقود طويلة من توليه مقاليد الحكم في المملكة.
قاعات طعام في المرافق البحرية
تُشير سجلات أرامكو إلى أنه خلال طفرة الإنشاءات في سبعينيات القرن العشرين وفّرت الشركة قاعات طعام في مواقع أعمالها البحرية. فقد استوعبت مقرات الإقامة العائمة التي أقيمت على سُفن آلاف العاملين، وكانت مجهزة بأنظمة لتكييف الهواء ومحطات لتحلية المياه، فضلًا عن قاعة طعام في كل طابق، في صورةٍ تجسّد ما اتسمت به الشركة آنذاك من مرونة وقدرة على ابتكار الحلول، حتى في عرض البحر.
لماذا لا تزال هذه القصة مهمة؟
على امتداد ما يقارب تسعة عقود، تروي صور أرامكو وبطاقات قوائم الطعام والرسومات المعمارية المحفوظة لديها القصةَ على نحوٍ أكثر شمولًا؛ فهي رحلةٌ بدأت بقاعة طعام واحدة تخدم بضع مئات من الروّاد، وتطورت إلى شبكة من مرافق الطعام تخدم موظفين من مختلف أنحاء العالم. تغيَّرت مواد البناء، وتبدَّلت قوائم الطعام، لكن الدور الأساس لهذه القاعات ظل ثابتًا؛ إذ بقيت ملتقى يجتمع فيه أفراد الشركة وتتوطد فيه روابط مجتمعها.