من الظهران إلى القنال الإنجليزي: قصة حياة فلورنس تشادويك

عالمي   -  بقلم 

فلورنس تشادويك تشير إلى المسبح الذي لطالما تدربت فيه لساعات طويلة خلال فترة وجودها في الظهران أثناء عملها في أرامكو السعودية.

روح الريادة

في أواخر الأربعينيات، حين كانت الظهران لا تزال مجموعة متفرقة من المباني الجاهزة والأنانبيب الممتدة على طول الصحراء حاملة أحلام المستقبل، كان هناك مشهد يتكرر كل مساء تقريبًا في مسبح أرامكو الطويل: امرأة تسبح بلا توقف، ضربة تلو ضربة، ساعة إثر أخرى، بعد أن يغادر الموظفون مكاتبهم، واسمها: فلورانس ماي تشادويك.

ولدت فلورنس في 9 نوفمبر 1918 في سان دييغو بولاية كالفورنيا، على ساحل المحيط الهادئ الذي أحبته وأُخذت بمياهه قبل حتى أن تعرف كيف تنطق باسمه. وفي السادسة من عمرها خاضت أول سباق سباحة لها، في العاشرة احتلّت مركزًا متقدمًا في سباق مياه مفتوحة لمسافة ميلين، أما في الثالثة عشرة من العمر فقد حازت المركز الثاني في إحدى المسابقات الوطنية. لقد أدركت فلورنس، مبكرًا، أن السباحات القصيرة ذات السرعة العالية ليست لها، إنما سباحات المسافات الطويلة القاسية هي التي تناسبها.

في 1944 ظهرت، بشكل عابر، ضمن مجموعة من السبّاحات إلى جانب إستر ويليامز في فيلم Bathing Beauty دون أن يُذكر اسمها في تتر الفيلم؛ بلى، لقد كانت أضواء هوليوود في عصرها الذهبي خلّابةً، لكنها لم تشتت فلورنس عن حلمها الأكبر منذ طفولتها: أن تعبر القنال الإنجليزي سباحة.

القرار بالرحيل

إذ بلغت التاسعة والعشرين من عمرها، في 1948، قررت فلورنس أن تتخذ قرارًا حاسمًا بالرحيل. فالوظائف الإدارية الجيدة التي تترك لصاحبها وقتًا كافيًا للتدريب، نادرة جدًا في أميركا بعد الحرب. بالمقابل، فقد كانت أرامكو السعودية توظف الأميركيات، في السعودية، برواتب مجزية. هكذا، وقّعت فلورنس عقدًا لمدة عامين كمشغّلة لآلة كومبتوميتر، ثم قامت وحزمت حقيبتين للسفر، وطموحًا عارمًا، ورحلت إلى الظهران.

في عامها الأول عملت في مبنى الإدارة الرئيس، وتدرّبت يوميًا في مسبح الشركة البالغ طوله 150 قدمًا. من ثم نُقلت إلى محطة الضخّ النائية التي تتبع لتابلاين على ساحل الخليج، والمسمّاة بـ "رأس مشعاب"، في 1949. وهناك ابتدأ تدريبها الحقيقي والقاسي: حيث السباحة تحت وطأة الحرارة، وفي خضمّ التيارات المائية وقناديل البحر. وبرغم كل هذا فقد كانت تسبح مرتين يوميًا في البحر المفتوح، لفترات تتراوح بين ست ساعات وثمانٍ، بل وقد تبلغ أحيانًا عشر ساعات كاملة في عطلات نهاية الأسبوع. 

عند كل بزوغ لشمس يوم جديد تُرى الأميركية الهادئة وهي تمشي نحو الشاطئ، وعند كل غروب يُعلن عن انقضاء اليوم تُرى وهي عائدة: هذا هو المشهد الذي اعتاد على رؤيته عمال المخيّم كل يوم. 

بيئة أرامكو الداعمة

هذا التدريب الشاق لم يكن نتيجة للعزيمة وحدها، بل يعود الفضل كذلك لبيئة أرامكو الداعمة والمحفّزة، فمنذ بداياتها الأولى أدركت الشركة أن العمل في بيئة صحراوية قاسية يتطلّب تهيئة وهيكلة وبناءً كاملًا وليس مجرد عدد من الآبار والأنابيب فحسب. وعليه، قامت أرامكو السعودية بالاستثمار لبناء مجتمع متكامل، وفّرت فيه مرافق ترفيهية ورياضية ومساحات اجتماعية، في سبيل تعزيز الصحة الجسدية وبالتالي النفسية. ولم تكن هذه المرافق أمرًا ثانويًا، بل تعبيرًا عن إيمان راسخ بأن توفير البيئة الداعمة للمرء يحفّزه للعطاء على أكمل وجه. وهذا هو ما ظهر على حياة فلورنس تشادويك في الشركة، حيث وفّر لها مسبح الظهران واستقرار الحياة في المخيّم مزيجًا مثاليًا من الانضباط والشعور بالأمان وامتلاك الفرص، وهو ما مكّنها من الاستعداد لتحدٍّ لم يكن العالم قد تصوّره بعد.

صورة جوية لمعسكر سكن موظفي أرامكو السعودية، تظهر فيها المنطقة الترفيهية، وتحديدًا مسبح الشركة الذي يُعتبر من أوائل المسابح في المملكة؛ وهو نفس المسبح الذي أشارت إليه فلورنس تشادويك في الصورة الأولى، حيث تدربت فيه لساعات طويلة خلال فترة وجودها في الظهران استعدادًا لتحقيق إنجازها التاريخي.

القرار الثاني بالرحيل

خمسة آلاف دولار، هذا هو المبلغ الذي كانت تحتاجه لتبدأ مغامرتها مع القنال الإنجليزي، وبمجرّد ما أتمّت جمعه، قامت بتقديم استقالتها، وودّعت زملاءها بهدوء، ثم سافرت إلى فرنسا، وذلك  في عام 1950 بحلول شهر يونيو. وفي شهر أغسطس، من السنة نفسها، عند 2:37 فجرًا، خاضت فلورنس في مياه القنال الإنجيلزي الباردة قرب رأس غري ني، حيث درجة الحرارة أقل من 14 درجة مئوية.

مجهولة للعالم، في الحادية والثلاثين من عمرها، لا أحد معها سوى والدها على القارب المرافق يمدّها، بين الحين والحين، بمكعّبات السكر والشوكولاتة الساخنة، لكنها تمتلك عزيمة لا تنثني: فبعدثلاث عشرة ساعة وعشرين دقيقة من السباحة المتواصلة وسط الضباب والأمواج، خرجت على شاطئ قرب دوفر، محطمة الرقم القياسي النسائي المسجّل عام 1926 بفارق  يتجاوز الساعة، ومسجلة أسرع عبور نسائي للقنال الإنجليزي في ذلك الوقت.

تصدّرت قصتها عناوين الصحف التي عبّرت عن دهشتها وإعجابها بهذه السبّاحة المجهولة. وفي سبتمبر من 1951 عادت مرة أخرى وسبحت في الاتجاه المعاكس والأكثر صعوبة وخطورة، من إنكلترا إلى فرنسا، خلال ست عشرة ساعة واثنتين وعشرين دقيقة، لتصبح أول امرأة في التاريخ تعبر القنال الإنجليزي في الاتجاهين.

واستمّرت بعد ذلك في مسيرة مبهرة، فعبرت قناة كاتالينا، ومضيق جبل طارق، والبوسفور، والدردنيل. وفي كل سباحة شهادة، على قدرة التحمّل وطول النفس، من مسابح الظهران ومياه الخليج.

من الماء إلى الماء

بعد اعتزالها المنافسات الرسمية قرابة 1960، اتجهت إلى تعليم السباحة والتدريب، وظهرت أحيانًا في أعمال سينمائية، قبل أن تدخل إلى عالم الأموال وتصبح سمسارة بورصة ناجحة، ثم نائبة شركة استثمار في سان دييغو. وفي 1970 أُدرج اسمها في قاعة كشاهير السباحة الدولية.

"الناس يحبّون المشي من أجل الرياضة" اعتادت القول ضاحكة "أما أنا فأفضّل السباحة". فلورنس لم تتزوج قطُّ وما أنجبت، حتى رحيلها في 15 مارس 1995 في سان دييغو بعد صراع من اللوكيميا. نُثر رمادها في المحيط الهادئ قرب بوينت لوما، لتكتمل الدائرة التي انطقلت من كاليفورنيا، مرورًا بالظهران فـ"رأس مشعاب، وانتهاء بالعودة إلى مياه البحر الذي كان يمثّل لها، طول عمرها، الوطن الأثير.