إطلالة

أطفالنا والصيف

أطفالنا والصيف

مع توسع انتشار مفهوم جودة الحياة وترسخه، أصبح من اللافت للنظر والمبهج معًا أن نرى مساحات الحدائق العامة ومناطق ألعاب الأطفال تكبر في خرائط أحياء مدن المملكة في السنوات الأخيرة.

وهذه المساحات ليست مُتنفَّسًا لطاقات الأطفال والكبار على حدٍّ سواء فحسب، بل هي حاضنات لبناء علاقات طبيعية مع البيئة وعناصرها، هذا عدا كونها معاقل لتأثيث ذاكرة مشتركة بين الأبناء وآبائهم.

لكن كيف يمكن لنا توقُّع أن يلعب أطفالنا في الحدائق العامة دون التعرّض لأزمات صحيّة في أجواء تصل فيها درجة الحرارة إلى ما فوق الخمسين!

لذا من البديهي أن يكون البديل الصيفيّ هو مدن الملاهي وصالات الألعاب المُغلقة، وهو بديلُ جيّد لكنه مُكلف ماديًّا؛ فكم مرة في الشهر يستطيع الموظف البسيط أخذ أبنائه إلى صالات الألعاب الداخليّة سواء في الأسواق المغلقة أم في سواها!

يبقى البديل الصيفيّ الأكثر مثاليّة في طقس مثل طقسنا هو ممارسة الرياضات المائيّة. وهذا خيار غير متاح لسُكان المدن غير الساحليّة، إلا إنْ كانوا قادرين على تحمّل تكاليف اشتراكات الأندية الصحيّة الباهظة.

أما بالنسبة لسكان المدن الساحلية من ذوي الدخل المحدود، الذين لا يستطيعون ارتياد الشواطئ الخاصة أو دفع أجرة الشاليهات الفخمة، فإن خيارات أطفالهم لا تتعدى الشواطئ العامة غير المُهيّأة غالبًا لا للسباحة ولا للأنشطة المائيّة أو الرمليّة.

فكيف نتوقّع من أطفالنا أن يكونوا سليمين بدنيًّا ونفسيًّا إذا كانوا محبوسين معظم الوقت خلف الأبواب، وفي الغالب وراء الشاشات خلال أشهر الصيف! في مثل ظروف كهذه، كيف يمكن أن نُنمي مهاراتهم الحركيّة والفكريّة والاجتماعيّة بعيدًا عن الشاشات دون تكليف ميزانياتنا ما لا تطيق؟

لابد من وضع إستراتيجية متكاملة لنظام ألعاب الأطفال الترفيهية بحيث يكون معظمها داخليًّا مع توفير التهويّة والإضاءة المناسبتين.

والأهم من ذلك، تشجيع رجال الأعمال على إعادة توجيه فكرهم الاستثماريّ بحيث تضع مشاريعهم في حسبانها خدمة المجتمع وتنميته، مقدّمة ذلك على تحقيق الربح الماديّ. ومن أهم المشاريع المجتمعية التنمويّة المُلحّة تخصيص مناطق ألعاب أطفال مغلقة تضع واقع صيفنا الطويل في الاعتبار، بحيث تكون متاحة مجانًا لجميع الأطفال؛ فلا ينبغي أن تكون أنشطة الصيف حكرًا على أبناء الميسورين.

إن اللعب ليس ترفًا ولا كمالية، بل هو حقٌ أساس وبديهي ولا ينبغي أن يكون مشروطًا. فحق الطفل في اللعب وتوفير البيئة المناسبة لذلك لا يقلّ أهمية عن حقه في التعليم والرعاية الصحية، فهو من متطلبات نموه الطبيعي.

أطفالنا يستحقّون منّا توفير أسباب الطفولة الطبيعية والنأي بهم عن الإصابة بالتوحّد والأمراض النفسية الناتجة عن اختبائهم من ضربات الشمس خلف الشاشات باختلاف أنواعها ومسمياتها، ونحن نستحقّ أن نكون أمهات وآباء لأطفال أصحّاء بدنيًّا ونفسيًّا.

هبة البيتي، كاتبة سعودية.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge