إطلالة

الاستشفاء بالأفلام

الاستشفاء بالأفلام

لن أنسى ذلك المساء الذي قادني مع أختي لمشاهدة فلم «The Father» في صالة السينما، من بطولة أنتوني هوبكنز وأوليفيا كولمن.

ظللت طوال العرض أمسك بيد أختي وأضغط عليها كلّما مسّني موقف، وصولًا إلى نهايته التي أبقتنا نبكي لعدة دقائق قبل أن يطلب منا عمّال النظافة المغادرة.

ما حصل أننا فهمنا كيف باتت جدتي، التي تصارع ألزهايمر، ترى العالم والناس وترانا نحن أيضًا.

فهمنا المسافة التي خلقها المرض، والتي ستتسع مع الوقت.

لكنه ساعدنا، ففهمُ أعراض جدتي من منظورها كان شفاءً بالنسبة لنا.

منذ فترة اكتشفتُ أن هناك توجهًا علاجيًّا يحمل اسم العلاج السينمائي أو العلاج بالأفلام، (لكن المصادر تشير بأنه ظهر لأول مرة في عام ١٩٩٠م على يد الباحث إل بيرج كروس) والذي يتضمن برنامج مشاهدات ممنهجة للأفلام، يوجهها المختص النفسي لأغراض علاجية، تضمن تأمّل الحالة للفلم، ومناقشته مع المعالج، حيث تثير مجموعة العناصر الموضوعية، كالقصة والموسيقى والحوارات والإضاءة والصور، مشاعر عميقة لدى المشاهدين، وتوفر منظورًا جديدًا للأحداث الخارجية تساعد في خطة العلاج.

سابقًا، افترض أرسطو أن المسرحيات التراجيدية لديها القدرة على تطبيب الروح والمساعدة في جوانب الحياة التي يصعب فيها استخدام التفكير العقلاني.

وبتطبيق هذا المفهوم اليوم، افترض نقاد التحليل النفسي أن الأفلام، عبر قربها لطبيعة الأحلام، تنقل الأفكار من خلال العاطفة بدلًا من التفكير، وتمنح فرصة تحييد الألم بشكل شبه موضوعي يساعد الحالات في جلسات العلاج النفسي.

وفي عام ٢٠١٠م قامت الباحثة إيميلي مارسيك بإجراء دراسة متعددة الحالات في ٦ جلسات علاج فردية مع ٣ أطفال يعانون من طلاق الوالدين.

استُخدم أسلوب النقاش، وعددٌ من الأنشطة التعبيرية كالكتابة وسرد القصص، الأمر الذي أبرز قدرات مختلفة لمساعدة الأطفال على تحديد مشاعرهم والتعبير عنها، وزيادة المشاركة والتأقلم.

لكن التأثير الأكبر الذي رصدته مارسيك كان التفاعل مع عدد من الأفلام السينمائية التي تناولت موضوع الطلاق، مثل فلم «Stepmom» لكريس كولمبس، حيث كان يرتفع منسوب مشاركة الأفكار، والاستجابات العاطفية، والتفاعل عبر المشاهدة. بالإضافة إلى استرجاع جميع الأطفال للقطات أو قصص أو أبطال ذوي علاقة بما يعانونه سبق وشاهدوهم في فلم أو مسلسل، الأمر الذي يمكن اعتباره شكلًا من أشكال التعبير الذي ينقل مخاوفهم عبر رد الفعل، وخلق استعارات ذات صلة علاجية.

الطبيب النفسي جون هيسلي، خاض تجربة من نوع آخر، حيث أوصى بفيلم «Marvin's Room» لجيري زاكس وبطولة ديان كيتن، كجزء من برنامج علاجي بالأفلام لإحدى حالاته وهو رجل في منتصف العمر مسؤول عن رعاية والدته المصابة بشلل رباعي وخَرَف على مدى ٥ سنوات.

شخّص الطبيب الحالة بالاكتئاب، ووصف للمريض بروزاك، لكنه رفض خوفًا من الأدوية، فعقد هيسلي أمله على العلاج بالأفلام لمساعدة مريضه، وكان الفلم المذكور أحدها، وهو عن سيدة كرّست عشرين عامًا من حياتها لرعاية والدها المقعد.

إنّ الإنجاز الرئيس للفلم من الناحية العلاجية هو الطريقة التي يصوّر فيها إيثار كيتن وتضحيتها، مع إبراز كيف أثرتها التجربة. وكانت النتائج ملحوظة للحالة، وحدث تحول طفيف في موقفه، والصفاء مع والدته. وعلى الرغم من أن الفلم لم يشفه من الاكتئاب، إلا أنه كان حافزًا.

هل تعني هذه الدراسة كمثال، أنّ الأفلام التي نراها عبر المنصات، أو نشتري تذكرة لمشاهدتها في صالات السينما، قد تكون جسرًا للصحة النفسية؟ أنا لست باحثة نفسية، ولا مختصة بالعلاج السيكولوجي بالأفلام، لكني مستعدة أن أجيب بنعم!

ففي تجربتي ومن حولي في كل المرات التي حسّن فلم مزاجًا متعكّرًا كما يفعل فيلم «Amélie» لجان بيير جونيه حول النادلة الباريسية العالقة في عالمها الخيالي والتي تساعد من حولها في العثور على السعادة، أو كالفلم الذي عبَرَ بي من فترة أرق صعبة، بعنوان «Cashback» لشون إيليس، الذي يدور حول فنان يعلق في مهنة مملة ليلية بسبب الأرق، أو كلما رشحت وثائقي «Jose & Pilar» لإعادة الإيمان بالحب حول العلاقة الاستثنائية بين خوسيه ساراماغو الحائز على نوبل للآداب وزوجته بيلار، أثق مرة بعد مرة بإمكانية مشاهدة فلم ما كطريق للاستشفاء.

 

منال العويبيل، كاتبة سعودية.
زاوية إطلالة مخصصة لنشر مقالات الكتّاب من خارج أرامكو السعودية.
Photo

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge