التنويم المغنطيسي.. أين بقية العقل المجهولة؟

التنويم المغنطيسي.. أين بقية العقل المجهولة؟

في العام 1898م حدثت قصة أثارت القلق في أوساط علم النفس الأمريكي، وذلك حين ذهبت فتاة تدعى كريستين بوتشامب إلى الدكتور مورتون برينس من كلية تافتس الطبية، وكانت تعاني من الإجهاد العصبي، وحينما فشل معها العلاج العادي جرّب الدكتور التنويم المغنطيسي. ذات يوم ودون توقع برزت شخصية أخرى مختلفة تمامًا من خلال العلاج.. شخصية فتاة مرحة، صاخبة، مندفعة، قالت إنها تُدعى سالي بوتشامب، وأصرّت على أنها ليست كريستين رغم اعترافهما بأن لهما جسدًا واحدًا.

كانت سالي تعرف كل شيء عن كريستين، بينما كريستين تجهل كل شيء عن وجود سالي. كانت سالي مغمضة العينين دائمًا لأن كريستين كانت تحت تأثير التنويم، وفي النهاية نجحت في فتحهما، وحينئذٍ أصبحت حياة كريستين أكثر تعقيدًا.

كانت سالي تستطيع أن تفرض سيطرتها طوال ساعات ثم تستيقظ كريستين، فتتساءل متعجبة عما تكون قد فعلته خلال فقدانها لذاكرتها، وعند هذه النقطة ظهرت شخصية ثالثة متميّزة، واضحة بقدر تميّز ووضوح سالي وكريستين، ولم يكن لها اسم. شخصية حادة أشبه بشخصية ناظرات المدارس تدعوها سارة بالبلهاء.

هذه الحالة لا تقتصر على مجرد فهم طبيعة التنويم المغنطيسي لأنها تعدّت المبدأ العلمي بتضييق الانتباه ووصول العقل إلى حالة يمكن أن تُسمى أحادية الفكر، أو التركيز على فكرة واحدة ضيقة. وذلك ربما يتفق إلى حدٍّ كبيرٍ إلى ما ذهب إليه ألبرت أينشتاين حين قال: "نحن نستخدم 10% فقط من إمكانات أذهاننا"، أما البقية الغالبة فهي لا تزال مظلمة ومجهولة، وهي تقريبا ما أنتج الحالة المعقدة للسيدة بوتشامب، التي تحولت من مزدوجة إلى ثلاثية تقودنا إلى أن هناك عامل معين غير متوقع في تفكيرنا يؤثر علينا بشكلٍ لا شعوري.

التنويم المغنطيسي وسيلة يتم استخدامها بشكلٍ علاجيٍ لإرسال شخص غير راغب في تضييق انتباهه إلى حالة من النسيان أو الغيبوبة وتكون مشابهة للنوم من نواحٍ عديدةٍ، لكن هناك إدراك تام لما يحدث. ولعلّ هذه الحالة تشابه حالة النشوة، ومن واقع التركيز التام، فقد يكون المنوّم أكثر انفتاحًا على المقترحات أو النصائح التي قد يتجاهلها في حالته العقلية العادية.

لكن أين يذهب عقلنا خلال هذه الحالة؟ هل هناك قابلية لظهور شخصية سالي المندفعة أو ناظرة المدرسة البلهاء؟ ليس بالضرورة، فتلك حالة نادرة، والنادر لا حكم له. خلال دراسة لباحثين في جامعة هارفارد سعوا للحصول على إجابة للسؤال: ماذا يحدث للدماغ أثناء التنويم المغنطيسي؟ تمت دراسة أدمغة 57 شخصًا أثناء التنويم المغنطيسي الموجه، ووجدوا أنه تظهر منطقتان من الدماغ مسؤولتان عن المعالجة والتحكّم فيما يحدث في الجسم أثناء التنويم المغنطيسي. وبالمثل، فإن منطقة الدماغ المسؤولة عن أفعال المنوّم والمنطقة التي تدرك تلك الأفعال تبدو منفصلة أثناء التنويم.

وبصورة عامة، فإن الأفراد الذين يتم تنويمهم مغنطيسيًا يظلون يتمتعون بالإرادة الحرة، ورغم أنهم أكثر انفتاحًا على الإيحاء، إلا أنهم لن يتصرفوا بطرق يجدونها عادة مرفوضة أخلاقيًا. ولكن يبقى هذا التنويم سلوكًا علاجيًا له العديد من المزايا التي تشمل مساعدة الأشخاص في التعامل مع الحالات العاطفية السلبية، مثل التوتر والقلق، بالإضافة إلى الألم والتعب والأرق واضطرابات المزاج، وغير ذلك.

وما بين ما هو أخلاقي في السيطرة على المنوّم وحقه في العلاج النفسي، وما هو في حكم غير الأخلاقي في تلك السيطرة والتحكّم العقلي بإنسان، تنشأ العديد من الأساطير حول التنويم المغنطيسي، والتي تأتي في الغالب من التناول الإعلامي والأفلام الروائية والروايات. يقول إيرفينغ كيرش، المحاضر في كلية الطب بجامعة هارفارد، إن التنويم المغنطيسي هو شكلٌ مدروسٌ جيدًا وشرعي من العلاج المساعد لحالات تشمل السمنة والألم بعد الجراحة، والقلق والتوتر.

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge