قصة أحمد والاكتئاب 

قصة أحمد والاكتئاب 

كان فتىً مليئًا بالحياة، طويل القامة، نحيل الجسد، أسمر البشرة، جميل الملامح، يكبرني بعامين، ويحب الكرة الطائرة. كنت أحب أن أشاهده يلعب هذه اللعبة، وخصوصًا عندما كان يرتقي ليضرب الكرة من وراء الشبكة كأنه النّسر. كان ارتقاؤه عاليًا فوق الفريق المقابل فلا أحد يستطيع أن يصد ضربته الساحقة، وكان الفريق الذي يقوده أحمد فريق لا يقهر! 

وكبر أحمد، وتقدّم لخطبة فتاة ولم يحالفه القبول، ويبدو أن الأمر أثر فيه بشكل كبير، فلم يعد ذلك الفتى الذي عهدناه، وأصبح قليل الكلام وأكثر انعزالًا. شارد الذهن كأنه في عالم آخر، لم يعد يلعب الكرة الطائرة، ولم يعد ينتمي لأي شيء حوله، حتى ابتعد عنه أقرب الناس إليه، فلم يعرف أحد ما الذي في خاطره، وذلك لدوام صمته وعزلته. ودخل هذا الشاب مرحلة اكتئاب شديد. 

ازدادت حالته سوءًا وأصبح منسحبًا تمامًا ممّا حوله، ولم نكن نسمع إلا عويل والدته، وصراخ أبيه الذي كان يعتقد أن المرض غير المصحوب بارتفاع في درجات الحرارة، فهو "دلع" وتمثيل. مضت مدّة زمنية على حالته ولم نعد نراه فقد اعتزل الخروج إلى الحي، واعتزل الناس.... كل الناس! وبعد فترة، تجاوزت حالته العزلة، فأصبح أكثر عنفًا مع أخوته ووالديه، وصار يخرج من البيت، ويؤذي نفسه! أشار أحد الأصدقاء على أهله أن أحمد به مس من الجن، ويجب اتخاذ إجراءات سريعة. وهنا بدأت الحكاية، فقد تعرضت الأسرة لأبشع أنواع الأفك والدجل والاستغلال، فهذا يقول سحر في الهند، وهذا يقول، يسكنه الجن، وذهب أحدهم بعيدًا عندما قال إن أحمد متزوج من جنية! ولم يتطرق أحد إلى أن الفتى يمر بحالة اكتئاب شديد!

ويحدث أن يزورهم خال أحمد، وعندما رآه قال إنه بحاجة إلى طبيب نفسي ليشخص حالته. بدأت العائلة تفكر بنظرة المجتمع لهم، لكنه حمله رغمًا عن الجميع إلى الطبيب. لقد كان يعاني من اكتئاب شديد وعلاجه بعقار يأخذه بشكل دوري. عاد أحمد بفضل الله ثم هذا العقار الذي يأخذه دون أي انتكاسة سوى مرة واحدة ظن أنه شفي تمامًا فلم يتناوله. قال له الطبيب: "هذا المرض مثل أي مرض مزمن عليك أن تعيش مع الدواء إلا إذا اكتشف العلم حلولًا أخرى". مضى على هذه القصة أكثر من ربع قرن، وتعود تفاصيلها إلى ذاكرتي عندما تردني من أحمد رسالة نصية يسألني عن أحوالي، أو أشاهد له تعليقًا على منشور في شبكات التواصل الاجتماعي.

الكيمياء والاكتئاب

ببساطة شديدة، الموضوع كان خللًا في كيمياء الدماغ، ويحتاج لدراية ومبادرة سريعة، إذ تستخدم مضادات الاكتئاب من أجل ضبط كيمياء المخ غير المتوازنة لدى المريض، فتعمل على هرمونات السيروتينين والدوبامين وهرمونات أخرى في الجسم ناقصة، وهي المسؤولة عن حالة الاكتئاب، لذلك عند تناول مضاد الاكتئاب يعمل داخل الجسم بزيادة هذه الهرمونات داخل الدم، وهناك أنواع أخرى تعمل من خلال زيادة هرمونات أو تقليل أخرى.

يؤثر الاكتئاب على طريقة التفكير والتصرف، ومن شأنه أن يؤدي إلى عديد المشاكل العاطفية والجسمانية.

عادة، لا يستطيع الأشخاص المصابون بمرض الاكتئاب الاستمرار بممارسة حياتهم اليومية كالمعتاد، إذ إن الاكتئاب يسبب لهم شعورًا بانعدام أية رغبة في الحياة. تجدر الإشارة إلى أن الاكتئاب يعد أحد أكثر الأمراض انتشارًا في العالم. اليوم، يتعامل غالبية العاملين في مجال الصحة مع الاكتئاب كمرض مزمن يتطلب علاجا طويل المدى، بالضبط كما يتم التعامل مع مرض السكري أو مع فَرط ضغط الدم. 

أسباب وعوامل الاكتئاب

رغم أن السبب المباشر لهذا المرض ليس معروفًا بشكل قطعي ألا أن الاعتقاد السائد، كما الحال بالنسبة إلى أمراض نفسية أخرى، يعود إلى العوامل البيوكيميائية (البيولوجية – الكيميائية)، وهي تغيرات فيزيائية (مادية) في أدمغة الأشخاص المصابين بمرض الاكتئاب. ومن المحتمل إن المواد الكيميائية الموجودة في دماغ الإنسان بشكل طبيعي، وتدعى "ناقلات عصبية" ولها علاقة بالمزاج، تلعب دورا بالتسبب بمرض الاكتئاب. كما أن العامل الوراثي يلعب دورًا أساسًا، بالإضافة إلى العوامل البيئيّة وهي ظروف حياتية من الصعب مواجهتها والتعايش معها، مثل فقدان شخص عزيز، ومشاكل اقتصادية، والتوتّر الحاد.

من ناحية أخرى، حبّ الأهل لأبنائهم ومحاولة حمايتهم تكون أغلب الأحيان بالإنكار، ومحاولة إخفاء أولادهم المصابين من الناس، ظنًا منهم أن هذا المرض يسبب لهم الخجل والحرج. وفي الحقيقة، هذا الأمر يزيد من حالة الاكتئاب تفاقمًا، ويزيد على المريض همومًا فوق ما يعانيه، فإنكاره وإخفائه عن عيون الناس لا تزيده إلا بؤسًا وحزنًا شديدين. أما اللجوء إلى خزعبلات الأفاكين، ودجل الدجالين فهو ثقافة عند بعض الفئات غير المتعلمة، ويقع على عاتقنا توعيتهم إلى خطورة وتأثير هذا الأمر على المريض، فهم يظنون أن ممارستهم إن لم تنفع فلن تضر. وهذا غير صحيح فشعور المريض أن مرضه تُحركه قوى خفية هو بذاته اكتئاب آخر، بالإضافة إلى أن الذهاب لمثلهم يعدّ تأخيرًا عن البدء بالعلاج الحقيقي الذي كلما أخرته زادت معاناة وحالة المريض سوءًا.

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge