حذرون في مكاتبنا حريصون على أعمالنا

حذرون في مكاتبنا حريصون على أعمالنا

صباحًا، وقبل الخروج إلى العمل، أقف عند باب شقتي، أتفقد مفاتيح السيارة، والمحفظة في جيبي، وبطاقة أرامكو السعودية المعلقة على صدري، ثمّ أتحسس بيدي وجود الكمامة التي تغطي فمي وأنفي! نعم، فالكمامة على الوجه من متطلبات الدخول إلى مكاتب العمل! 

بعد أنّ منّ الله علينا بعودة إلى المكاتب انتظرناها كثيرًا، لن نساوم أو نتهاون في مكتسباتها التي عادت علينا بالراحة النفسية والطمأنينة. فالعودة للعمل من المكاتب لم تكن بالهيّنة في ظل تداعيات كوفيد-19، بل تحتاج وعيًا والتزامًا وعينين مفتوحتين طوال الوقت. مضى على عودتنا قرابة الشهرين حتى أصبح الحرص والحذر ثقافة متأصلة دون تكلف، بل أصبحت مقبولة ومستساغة، وفاعلة في كل الظروف.

كثيرة هي العادات التي تغيرت، وأعتقد أنها للأفضل، فالسلام باليد، والاقتراب المبالغ فيه، والاكتظاظ غير المبرر في أي مكان من المكاتب لم يعد مقبولًا في ظل الظروف الحالية، وأعتقد جازمًا أن هذه الثقافة ستستمر معنا لفترة أطول بعد الجائحة إن شاء الله، لقناعة الجميع بجدواها من الناحية الصحية والعملية.

تقترب من زميل لك وبينكما مسافة أمان تحدثه، وتشاوره في العمل دون ذلك الاقتراب الخطير، ثم تشاهد آخرًا بعد غياب فتقفان بعيدين عن بعضكما البعض وتتبادلان كلمات الترحيب، دون الحاجة للعناق، وتقبيل الخدود، كما تعودنا في السابق، ودون الحاجة للاقتراب الذي من الممكن أن ينقل العدوى.

الوقوف على بوابات الدخول والخروج بتباعد بين الزملاء صار أيضًا ظاهرة ومن ملامح العودة الحذرة! شاهدت الزملاء وقد أصبحوا أكثر حرصًا على تعقيم اليدين والمكاتب، وارتداء الكمامات طوال الوقت لحماية بعضهم بعضًا، فهم الأسرة الأكبر التي علينا حمايتها. بعد مضي هذه الفترة من العودة، أصبحت ثقافة الحذر أثناء تأدية الأعمال في وجدان جميع الموظفين والموظفات، فلا أحد يطيق أن تتكرر تلك الفترة التي اضطررنا فيها للعمل من المنازل. بعد هذه المدّة من العودة إلى المكاتب، لا تزال الروح التي بدأنا بها العمل هي ذاتها، فلم تلِن ولم تضعف بل ازدادت صلابة وتصميمًا على عبور هذه المرحلة، بصحة وسلامة وإنجازات متجدّدة.

المكتب معقم ونظيف

المكتب معقم ونظيف، ولا خوف عليكم! هكذا جاء أول بريد إلكتروني يومها من إدارة خدمات المكاتب فزادت الطمأنينة، وتيقنت أن العودة حذرة ومدروسة وتحتاج تعاون الجميع!  لقد بذلت اللجان المعنية بمكافحة كوفيد-19 دورًا توعويًا منقطع النظير أثناء فترة العمل من البيت وبعدها، إذ كانت الرسائل تبدأ من التذكير المتواصل بغسل وتعقيم اليدين، وعدم ملامسة الأنف، والفم والعين، وعدم الاقتراب من الأشخاص في الأسواق، وعدم التجمع والزيارات، وذلك للحد من انتشار الوباء. لقد وصلنا إلى العودة ونحن لدينا الوعي، والمعرفة الكافية للتعامل مع الظروف الجديدة، لذلك كان الموظفون على درجة عالية من الوعي للعودة الآمنة.

لقد مرّ على عودتنا إلى العمل قرابة الشهرين، ولا تزال الإجراءات ذاتها دون تراخي من الشركة والموظفين، فكلنا في مركب واحد! زادت الطمأنينة بعد هذه المدة ولم يقل الالتزام ولا تزال تعليمات ارتداء الكمامة وتعقيم اليدين، والجلوس، والاجتماع، والتباعد، وركوب المصعد، ومسارات استخدام السلالم نزولًا وصعودًا، وتعقيم الممرات والجدران كأنها في اليوم الأول للعودة، مصونة، ومراقبة، وألفناها حتى صارت ثقافة ومن متطلبات العمل. 

وعلى الرغم من أن الجائحة لا تزال تشكل خطرًا داهمًا في كثير من بلدان العالم، سجلت المملكة نموذجًا يحتذى بالسيطرة على انتشار المرض، ونزول عدد الإصابات اليومي دليل نجاح واضح، وما كان هذا ليتم لولا تضافر جهود الدولة والمواطن على حدّ سواء. وحتى نحافظ على المنجزات و«نبقى لا فاقدين ولا مفقودين»، علينا مواصلة الاحتياطات نفسها وعمل كل ما بوسعنا وزيادة حتى تظل مكاتبنا تنبض بالحياة.

سلامة الموظفين أولًا

يقول مشرف قسم الإسكان، من خدمات أحياء السكن في جدة، الموظف سعد القثامي، إنه كان مطمئنًا منذ بداية جائحة كوفيد-19 رغم أنه ظلّ يعمل من مكتبه، فلم يشعر بالخوف من هذا المرض لأن استعدادات الشركة بالتدابير الوقائية كانت تشعره بالارتياح. ويضيف قائلًا: «لأنني الوحيد الذي كان يخرج من البيت حينها ويخالط الناس، لم يكن يخيفني وقتها إلا ن أنقل المرض إلى أسرتي، فخوفي على أبنائي الصغار كان كبيرًا عندما أعود إلى المنزل». وأكّد القثامي على تطبيق كل إجراءات السلامة والاحتياطات بحرص شديد عند الدخول إلى البيت حتى الخروج منه. يقول القثامي والحزن في عينيه: «لم يكن أشدّ على قلبي من اللحظة التي كان يجري ولدي ليقبلني عند عودتي من العمل فأمنعه مشيرًا له بيدي أن ابتعد وذلك لأحميه».

يقول القثامي إنه تعلّم من هذه الأزمة أن العمل في أرامكو السعودية التي تهتم بسلامة موظفيها، والعيش في دولة أولى اهتماماتها سلامة المواطن نعمة كبرى. ويضيف قائلًا: «ها قد عادت الحياة كما كانت، وعاد الزملاء والزميلات جميعًا، وبدأت الحياة تدب في المكاتب من جديد، والجميع حريصون على تطبيق التعليمات والتوجيهات من تعقيم الأيدي إلى التباعد الاجتماعي لأننا نريد حياتنا وحياة من نحب آمنة، وننعم بكل ما أنعم علينا به رب العالمين».

 يقول رامي أبوسبيت، من شركة أرامكو للكيميائيات، إن أرامكو السعودية تؤهل موظفيها للعمل بكافة الظروف وتحت أية ضغوط، مضيفًا: «عملت قرابة الشهرين من المنزل وحققت الكثير من الأهداف السنوية في فترة الحظر، فتواجدك في المنزل يجعلك تركز بمجهود أقل دون مقاطعة، ويشعرك بمزيد من الاطمئنان، وأنت ترى أسرتك بخير في وقت الجائحة». ويؤكّد أن الصعوبة في الأمر كانت في ترتيب الأولويات، وغياب التواصل المباشر وجهًا لوجه، لكن مع مضي الوقت استطاع تخطي هذه العقبات حتى عاد الجميع للعمل بحذر. 

مجتمع أكثر وعيًا

أمّا أخصائية خدمات الغذاء في قسم خدمات أحياء السكن في جدة، أسرار إسلام، فتقول إن العودة للعمل لم تكن سهلة في أوائل جائحة كورونا بسبب القلق من الإصابة بالعدوى، ولكن بمرور الأيام والتكيف تدريجيًا على الوضع الجديد، والتزام الجميع بالإجراءات الاحترازية، أصبح الأمر أكثر سهولة. فقد أصبح المجتمع الصغير في أرامكو السعودية والمجتمع الأكبر أكثر وعيًا ومسؤولية تجاه أنفسهم والآخرين وهذا شيء جميل. لقد تعلمت شخصيًا من هذه المرحلة الكثير، واستفدت من فترة الحجر خصوصًا في إعادة النظر لأولوياتي ومدى أهمية التفكير الإيجابي، والايمان الداخلي لتخطي الأزمات، فهم أساس الصحة العامة، والدافع للعمل، والإنتاجية والمضي قدمًا أقوى من قبل. لقد تعلمت أهمية الاعتناء بالذات، وتقوية أنفسنا وأحبائنا، وتوفير الدعم لهم أيضًا لتخطي الأزمة، وكذلك العودة لممارسة الهوايات والاستمتاع بالطبيعة، والأمور التي افتقدناها أثناء ملازمة المنزل».

ومن إدارة المحاسبة المالية، تحدثت سعدة الشمري قائلة: «في بداية أزمة كوفيد- 19عندما شاهدت الموظفين من نافذة مكتبي في الطابق السابع خرجوا يحملون أغراضهم وحواسيبهم المحمولة، تساءلت وأنا لا أزال في موضع استهجان: تُرى ما سيكون مصيرنا في قادم الأيام!

ولَم يوقف خروج الموظفين من مكاتبهم سيل الأسئلة الذي راح يعصف بذهني: هل سننجح في إنجاز العمل عبر الأنترنت؟ بلا شك وفِي خضم هذه الأزمة، واجهت صعوبة في الانتقال إلى هذا النظام في البداية، ولكن سرعان ما تأقلمت تدريجيًا إلى أن بدأت المهمات تصبح أكثر وضوحًا وقابلية للإنجاز عن بعد. وبعد أشهر من العمل بالمنزل وتحت وطأة الإجراءات الاحترازية وللحد من انتشار فيروس كورونا، بدأت الحياة تدب من جديد في الشركات والمؤسسات بعودة الموظفين تدريجيًا إلى مقار العمل.

وفي ظل قرارات العودة، هناك من انتابهم القلق والخوف من عواقب هذا الأمر فالمرض لا يزال موجودًا. بلا شك قد وُضعت معايير للعودة الى العمل مثل التنظيف والتعقيم المستمر للمكاتب، والحد من التزاحم، منع ومخالفة دخول أي شخص إلى المنشأة بدون ارتداء الكمامة، وهذا جعلني اشعر بأمان وطمأنينة دون تراخي. 

علّمتننا هذه الأزمة التصديق بمبدأ قابلية التغيير للأشياء جميعها، ومرونة التفكير، والاستفادة من دروس إدارة الأزمة في حال تكرار مثل هذا الوباء لا قدّر الله».

You are currently using an older browser. Please note that using a more modern browser such as Microsoft Edge might improve the user experience. Download Microsoft Edge